إدارة الطيران الفيدرالية تعتمد طائرة بويينغ “737 ماكس 7”: أسباب التأخير وتداعيات القرار على خطوط الطيران
أنهت إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية سنوات من التدقيق الفني بإصدار اعتمادات التصميم والإنتاج لأصغر طرازات عائلة "737 ماكس"، تمهيداً لبدء تصنيعها والتجهيز لدخولها الخدمة التجاري مع بداية عام 2027.
أصدرت إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية (FAA) في الثالث من أغسطس 2026 قراراً رسمياً بمنح "شهادة الطراز (Type Certificate)" المعدلة وتحديث "سجل قيود الإنتاج (Production Limitation Record)" لطائرة بويينغ "737 ماكس 7". ويضع هذا القرار حداً لمراجعة تنظيمية واستعراض فني امتد لنحو ثماني سنوات منذ أدت الطائرة رحلتها التجريبية الأولى في مارس 2018.
ورغم أن هذه الموافقة تفتح الباب أمام بويينغ لبدء الإنتاج التسلسلي للطائرة وتجهيزها للتسليم، فإنها لا تعني صعود الركاب على متنها فوراً. إذ تستهدف شركة "ساوث وست إيرلاينز" الأمريكية — العميل الرئيسي المترأس لطلبيات هذا الطراز — بدء التشغيل التجاري وتحقيق الإيرادات في الربع الأول من عام 2027، بعد استكمال تدريب الطيارين وإدماج الطائرات في الأسطول وإنهاء الفحوصات الفردية لكل هيكل طائرة على حدة.
الفرق التنظيمي بين مأذونية التصميم ودخول الخدمة التجارية
تقتضي القواعد التنظيمية للحكم على جاهزية أي طائرة تجارية التمييز الصارم بين ثلاث مراتب إدارية وفنية:
الأولى هي "شهادة الطراز"، وهي المأذونية التي تقر بأن التصميم الهندسي العام والرسومات والأنظمة تستوفي كل معايير السلامة المعتمدة. والثانية هي "سجل قيود الإنتاج"، الذي يجيز للشركة المصنعة إدارة خطوط التجميع ونظم إدارة الجودة لبناء النسخ المطابقة للتصميم المعتمد. أما المرتبة الثالثة والأهم بالنسبة للمسافرين، فهي "شهادة صلاحية الطيران (Airworthiness Certificate)"، وهي وثيقة لا تُمنح للشركة ككل، بل تُصدر بشكل فردي لكل طائرة فيزيائية تخرج من المصنع قبل السماح لها بالإقلاع بالركاب.
بموجب القواعد المشددة التي جرى تطبيقها عقب أزمات السلامة السابقة، لم تعد إدارة الطيران الفيدرالية تسمح لشركة بويينغ بإصدار تقييمات الذاتية لهذه الشهادات. ويظل مفتشو السلامة التابعون للإدارة متواجدين بشكل مباشر داخل مصانع بويينغ، ولا سيما في منشأة رينتون بولاية واشنطن، لمعاينة كل طائرة على حدة والإشراف على نظام إدارة السلامة.
ولهذا السبب، يتطلب الانتقال من مرحلة صدور الاعتماد إلى نقل الركاب فعلياً مساراً عملياتياً ممتداً. وتستهدف شركة "ساوث وست إيرلاينز" استلام الطائرات الأولى في أواخر عام 2026 أو أوائل عام 2027، لتشرع عقب ذلك في تنفيذ برامج الإثبات التشغيلي وتدريب الأطقم قبل إدراج الطائرة في جدول رحلاتها المنتظمة خلال الربع الأول من عام 2027.
إعادة الهندسة الحرارية: كيف أخر نظام مانع الجليد اعتماد الطائرة؟
لم يكن التعثر الذي واجه اعتماد طائرة "ماكس 7" مجرد تراكم إداري في المعاملات الفيدرالية، بل يعود في جوهره إلى عيب فني حرج واجهته بويينغ في نظام مانع تكون الجليد في المحرك (EAI).
تعتمد المحركات النفاثة في طريقة عملها على سحب جزء من الهواء المضغوط الساخن المستخرج من ضاغط المحرك وتوجيهه لتسخين الغلاف الأمامي للمحرك لمنع تراكم الجليد أثناء الطيران في ظروف جوية معينة. وفي عائلة طائرات "737 ماكس"، يُستخدم في الأنبوب الداخلي لمدخل المحرك مواد مركبة (Composites) لتقليل الوزن.
واكتشفت الجهات التنظيمية أن تشغيل هذا النظام في أجواء جافة ودافئة لأكثر من خمس دقائق متواصلة يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة المادة المركبة في غلاف سحب الهواء بالمحرك (Inlet cowl) إلى مستويات تتجاوز الحدود الهيكلية المصممة لها.
وكان الخطر المكشوف يكمن في أن السخونة الزائدة قد تضعف المادة المركبة وتؤدي إلى تفكك هيكل مدخل المحرك أو انفصاله أثناء الطيران. وفي حال حدوث ذلك، قد تتطاير الحطام الصلبة لتضرب بدن الطائرة، أو تحطم نوافذ الركاب فتحدث انخفاضاً مفاجئاً في الضغط، أو تلحق أضراراً بأسطح التحكم في الأجنحة الذيلية.
وفي أغسطس 2023، أصدرت إدارة الطيران الفيدرالية توجيهاً لصلاحية الطيران فرض قيوداً تشغيلية مؤقتة على الطائرات العاملة بالفعل من طرازي "ماكس 8" و"ماكس 9"، تلزم الطيارين بإيقاف تشغيل النظام يدوياً بعد خمس دقائق في الهواء الجاف. لكن الإدارة رفضت منح اعتماد جديد لطائرتي "ماكس 7" و"ماكس 10" استناداً إلى إجراءات تشغيلية يدوية يتبعها الطيارون، وفرضت على بويينغ تطوير حل هندسي مادي دائم.
اضطرت بويينغ إلى إعادة تصميم بنية تبديد الحرارة والنظام الحراري داخل غلاف المحرك للتحكم التلقائي في درجات الحرارة. واستغرق تطوير هذا الحل والتحقق من فاعليته واختباره جوياً عدة أشهر، حتى أتمت بويينغ الاختبارات الطيران الرسمية بالتنسيق مع الإدارة في يوليو 2026، مما مهد الطريق لإصدار الاعتماد النهائي.
تحولات الرقابة والسلامة: من حادثتي "ماكس 8" إلى قانون 2020
يقترن تأخير "ماكس 7" بالسياق التنظيمي العام الذي أعاد هيكلة قطاع الطيران المدني في الولايات المتحدة عقب حادثتي تحطم طائرتي "ماكس 8" التابعتين لشركتي "ليون إير" (أكتوبر 2018) و"الخطوط الجوية الإثيوبية" (مارس 2019)، اللتين أودتا بحياة 346 شخصاً وأسفرتا عن قرار عالمي بإيقاف تشغيل أسطول "737 ماكس" لعدة أشهر.
أدت التحقيقات في تلك الكوارث إلى كشف عيوب رئيسية في برمجيات نظام تعزيز خصائص المناورة (MCAS)، الذي كان يستند إلى قراءة مستشعر واحد لزاوية المواجهة. وتضمن التحديث الإجباري لبنية النظام جعل آلية العمل تعتمد على مقارنة القراءات بين مستشعرين مستقلين لمستشعر زاوية المواجهة (Angle of Attack – AoA)؛ فإذا حدث اختلاف بين القراءتين يتجاوز 5.5 درجة، يتعطل النظام تلقائياً، ولا يمكنه إلغاء المدخلات اليدوية للطيار.
وفي ديسمبر 2020، أقر الكونغرس الأمريكي "قانون إصلاح الحصول على شهادات الطائرات والسلامة والمساءلة" (ACSAA). ألغى هذا التشريع الترتيبات السابقة التي كانت تُعرف بـ "تفويض الاعتماد المؤسسي (ODA / الاعتماد الذاتي)"، والتي كانت تمنح بويينغ صلاحيات واسعة لاعتماد نظم السلامة بذاتها. وأعاد القانون سلطة التقييم المباشر إلى المفتشين الفيدراليين، وفرض تحديثات على نظم تنبيه طاقم القيادة.
ورغم أن الكونغرس أقر استثناءً في ديسمبر 2022 يتيح لبويينغ إتمام اعتماد طرازي "ماكس 7" و"ماكس 10" دون إدخال تغييرات جذرية شاملة على شاشات غرفة القيادة قد تتطلب إعادة تدريب واسعة للطيارين، فإن المراجعات ظلت خاضعة لرقابة مشددة. وتضاعف الحذر التنظيمي عقب حادثة انفصال سدادة باب طائرة "737 ماكس 9" تابعة لشركة "ألاسكا إيرلاينز" في يناير 2024 بسبب عيوب التثبيت المصنعي، ما دفع إدارة الطيران الفيدرالية إلى تجميد خطط توسيع معدلات الإنتاج وتكثيف عمليات التدقيق الميداني.
موقع "ماكس 7" في عائلة بويينغ وأسباب تصنيفها كطراز متخصص
تُعد طائرة "ماكس 7" الأصغر حجم والأطول مدى بين طائرات عائلة "737 ماكس"، حيث يبلغ طول بدنها 35.56 متر، وتتسع عادة لما بين 138 و153 مقعداً في التوزيع متعدد الدرجات، وبحد أقصى يصل إلى 172 مقعداً في التوزيع الموحد مرتفع الكثافة.
| الطراز | طول البدن | السعة المعتادة | المدى الأقصى |
|---|---|---|---|
| 737 ماكس 7 | 35.56 متر | 138 – 153 مقعداً | 3,850 ميلاً بحرياً (7,130 كم) |
| 737 ماكس 8 | 39.52 متر | 162 – 178 مقعداً | 3,500 ميل بحري (6,480 كم) |
| 737 ماكس 9 | 42.11 متر | 178 – 193 مقعداً | 3,250 ميلاً بحرياً (6,020 كم) |
| 737 ماكس 10 | 43.80 متر | 188 – 204 مقاعد | 3,100 ميل بحري (5,740 كم) |
يتيح هذا التصميم لطائرة "ماكس 7" قطع مدى تشغيلي يصل إلى 3,850 ميلاً بحرياً، وهو المدى الأطول بين جميع طرازات العائلة، مما يجعلها قادرة على خدمة مسارات طويلة قليلة الكثافة أو العمل كفاءة في المطارات مرتفعة المنسوب والطقس الحار.
ومع ذلك، تظل الطائرة منتجاً متحصصاً منخفض حجم الطلبيات الإجمالية، حيث لا تتجاوز طلبياتها المسجلة نحو 300 طائرة من بين أكثر من 4,000 طلبية نشطة لعائلة "737 ماكس" إجمالاً، أي ما نسبته 7% تقريباً.
ويعود السبب الرئيسي في تفضيل معظم شركات الطيران التجارية لطراز "ماكس 8" الأكبر إلى عامل الوزن الهيكلي. فعندما صممت بويينغ "ماكس 7"، قامت بتقليص طول بدن طائرة "ماكس 8" مع الإبقاء على بنية الأجنحة ومجموعة أجهزة الهبوط الأثقل وزن نفسها. ونتيجة لذلك، تحمل "ماكس 7" وزناً فارغاً أعلى لكل مقعد مقارنة بالطائرات التي صُممت كطرازات مستقلة تماماً منذ البداية، مثل طائرة "إيرباص A220-300".
ورغم أن "ماكس 7" تتفوق على "إيرباص A220-300" في المدى التشغيلي (3,850 ميلاً بحرياً مقابل 3,450 ميلاً بحرياً)، فإن الأخيرة توفر اقتصاديات أفضل في استهلاك الوقود لكل مقعد في المسارات الاعتيادية متوسطة المدى.
استراتيجية أسطول "ساوث وست إيرلاينز" وتأثير القرار على خطوط الطيران
يمثل صدور الاعتماد الفيدرالي تحولاً تشغيلياً حاسماً لشركة "ساوث وست إيرلاينز"، التي تستحوذ وحدها على نحو 90% من إجمالي طلبات شراء "ماكس 7" الملتزم بها، بحجم طلبيات يتراوح بين 269 و289 طائرة.
تعتمد شركة "ساوث وست" نموذج تشغيل قائم على استخدام طراز واحد من الطائرات (عائلة بويينغ 737) لأسطولها الذي يتجاوز 800 طائرة. ويحقق هذا الاعتماد الأحادي للشركة توفيراً كبيراً في عمليات الصيانة ومخزون قطع الغيار وإعادة تدريب الطيارين وجدولة الأطقم.
وكانت الشركة قد أُجبرت بسبب تأخر اعتماد "ماكس 7" على التمسك بطائراتها القديمة من طراز "737-700" وتمديد فترات خدمتها لتجاوز المواعيد المخططة لإحالتها إلى التقاعد. ويسمح الاعتماد الجديد للشركة بالبدء في الاستبدال التدريجي لـ 288 طائرة من طراز "737-700"، مما يمنحها تخفيضاً في استهلاك الوقود لكل مقعد بنسبة تتراوح بين 14% و20%.
وعلى صعيد بويينغ، فإن إنهاء ملف "ماكس 7" يرفع عبئاً تنظيماً وهندسياً استنزف كوادر الشركة لسنوات، ويتيح تحويل الطائرات المصنعة سابقاً في المخازن إلى سيولة نقدية فور البدء في التسليم. كما يوفر هذا الانجاز الموارد الهندسية لدى إدارة الطيران الفيدرالية وبويينغ لتركيز الجهود على إتمام مراجعات طائرة "737 ماكس 10" ذات السعة العالية المتوقعة لاحقاً، وطائرة "777X" عريضة البدن للرحلات الطويلة.
لكن الحصول على الاعتماد الأمريكي لا يعني بالضرورة الدخول الفوري إلى الأجواء العالمية؛ إذ يتعين على الهيئات التنظيمية الدولية الأخرى، مثل هيئة الطيران المدني الكندية والوكالة الأوروبية لسلامة الطيران والهيئة الصينية، إجراء مراجعاتها المستقلة قبل مأذونية الطيران بالطائرة ضمن أجوائها.