Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
EXPLAINERS

اتفاق الرياض النووي: نفوذ أميركي بثمن معياري

غياب تعهد صارم بعدم التخصيب، إذا تأكد في النص الملزم، يفتح معادلة دقيقة بين احتواء البرنامج السعودي داخل الإطار الأميركي وإضعاف سابقة الإمارات في عدم الانتشار.

بتوقيع اتفاق التعاون في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية بين السعودية والولايات المتحدة في الرياض في 23 يوليو 2026، انتقل ملف طال انتظاره من خانة التفاوض السياسي إلى اختبار قانوني واستراتيجي داخل واشنطن والمنطقة. فقد أعلنت وكالة الأنباء السعودية أن الاتفاق وقعه وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية الأمير عبد العزيز بن سلمان بن عبد العزيز ووزير الطاقة الأميركي كريس رايت، وقدّمته بوصفه إطاراً لتبادل الخبرات والمعرفة والتقنيات وفق «أعلى المعايير الدولية للسلامة النووية، والأمن النووي، وعدم الانتشار». غير أن السؤال الحاسم لا تقرره الصياغة الاحتفالية للبيان، بل ما إذا كان النص الملزم يتضمن، أو لا يتضمن، تعهداً سعودياً واضحاً بالتخلي عن تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود المستهلك على غرار الاتفاق الأميركي – الإماراتي.

تقرير «رويترز»، نقلاً عن مصادر مطلعة، قال إن الاتفاق لا يتضمن ما يسمى «المعيار الذهبي» الذي يحظر على السعودية التخصيب وإعادة المعالجة، وإنه لا يشمل أيضاً اشتراط البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية. بهذا المعنى، لا يدور الجدل حول ما إذا كانت الرياض أعلنت برنامجاً عسكرياً؛ فذلك استنتاج لا يثبته الاتفاق ولا يقتضيه. المسألة الأعمق أن واشنطن، إذا قبلت صيغة أكثر مرونة في دورة الوقود النووي، تكون قد غيّرت سقفاً سياسياً سبق أن رفعته في الخليج، في لحظة تتشابك فيها المنافسة مع إيران مع سباق النفوذ بين الولايات المتحدة وروسيا والصين.

بين اتفاق تعاون وحق التخصيب

اتفاقات القسم 123 من قانون الطاقة الذرية الأميركي ليست عقود توريد عادية، ولا تفويضاً مفتوحاً بنقل التكنولوجيا الحساسة. خدمة أبحاث الكونغرس تشرح أن كل تعاون نووي أميركي مدني مهم يحتاج إلى اتفاق تعاون نووي، وأن هذه الاتفاقات تضع شروطاً مرجعية وتجيز التعاون من حيث المبدأ، لكنها لا تضمن وقوعه تلقائياً. كما يجب أن يستوفي الاتفاق تسعة معايير خاصة بعدم الانتشار، وأن يرفقه الرئيس عند تقديمه إلى لجنتي الشؤون الخارجية في مجلس النواب والعلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ ببيان تقييم غير سري للانتشار النووي وملحق سري.

هذه النقطة جوهرية لأن غياب تعهد بعدم التخصيب، إن صح، لا يعني حصول السعودية فوراً على حق عملي في امتلاك التكنولوجيا الأميركية للتخصيب أو إعادة المعالجة. «رويترز» نقلت عن مصدر أن الاتفاق يوفر مساراً قانونياً للتعاون في دورة الوقود النووي، بما في ذلك التخصيب، لكنه لا يلزم الولايات المتحدة بنقل القدرات أو التكنولوجيا المرتبطة بذلك إلى الرياض. الفارق بين عدم الحظر وبين النقل الفعلي هو مساحة السياسة والرقابة والترخيص، وفيها ستتحرك الإدارة الأميركية والكونغرس ومؤسسات عدم الانتشار.

لكن هذا الفارق لا يلغي الحساسية. فالتخصيب وإعادة المعالجة يقعان في قلب الازدواجية النووية: يمكن إدراجهما في برنامج مدني، لكنهما أيضاً يختصران المسافة التقنية والسياسية نحو خيارات أكثر خطورة إذا تغيرت البيئة الاستراتيجية أو نيات الدولة. لذلك عرّف الاتفاق الأميركي – الإماراتي منشآت التخصيب وإعادة المعالجة وإنتاج الماء الثقيل وتصنيع وقود يحتوي على البلوتونيوم بوصفها منشآت نووية حساسة، كما أكد في ديباجته التزام الإمارات التخلي عن قدرات التخصيب وإعادة المعالجة المحلية لمصلحة إمدادات خارجية آمنة للوقود النووي.

المشكلة ليست في أن السعودية أصبحت خارج نظام عدم الانتشار، بل في أن معياراً سياسياً أميركياً صار أقل صلابة.

سابقة الإمارات واختبار الكونغرس

تكمن أهمية المقارنة مع الإمارات في أنها صنعت نموذجاً مرجعياً، لا قاعدة قانونية عالمية ملزمة لكل اتفاق لاحق. فقد كان الاتفاق الأميركي – الإماراتي أكثر من ترتيب تعاون؛ كان إعلاناً بأن الدولة الخليجية القريبة من واشنطن تستطيع بناء برنامج نووي مدني من دون الاحتفاظ بخيار دورة وقود محلية حساسة. ومن ثم، فإن أي صيغة سعودية لا تتبنى التعهد نفسه ستقرأ في الكونغرس ومجتمع عدم الانتشار بوصفها تخفيفاً لمعيار سبق أن عُدّ نموذجاً مرغوباً في منطقة مضطربة.

تعزز هذه القراءة خلفية السياسة الأميركية السابقة. فخدمة أبحاث الكونغرس تشير إلى أن سياسة أميركية قائمة منذ وقت طويل ربطت اتفاق 123 مع السعودية بقبول الرياض ضمانات دولية معززة وبالتخلي عن المنشآت الأكثر حساسية من زاوية الانتشار: تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود المستهلك. كما أن السعودية طرف في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية منذ عام 1988، ولديها اتفاق ضمانات شاملة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية منذ عام 2009 يغطي جميع المنشآت النووية. لكنها لم تبرم بروتوكولاً إضافياً، وهو ما تقول خدمة أبحاث الكونغرس إنه يعزز قدرة الوكالة على التحقيق في المنشآت والأنشطة غير المعلنة، وإن كانت الرياض قد ألغت بروتوكول الكميات الصغيرة في عام 2024.

لهذا يصبح مسار المراجعة في الكونغرس ساحة سياسية لا إجراءً شكلياً. فبحسب «رويترز»، تخضع اتفاقات القسم 123، بعد تقديمها، لنحو 90 يوماً من المراجعة في أيام الانعقاد المتواصل للكونغرس، وتدخل حيز النفاذ إذا لم يعترض الكونغرس. أما تعطيلها فيتطلب قراراً مشتركاً، ومع اعتراض رئاسي محتمل يحتاج المشرعون إلى أغلبية الثلثين لتجاوز الفيتو. هذه العتبة تجعل إسقاط الاتفاق صعباً إجرائياً، لكنها لا تجعل النقاش سهلاً سياسياً، خصوصاً إذا بدا أن الإدارة فصلت التعاون النووي عن شروط أوسع تتعلق بالضمانات المشددة أو الترتيبات الإقليمية.

السعودية بين إيران ومنافسة الكبار

من زاوية الرياض، لا يظهر الاهتمام بدورة الوقود النووي كطارئ مفاجئ. فقد أقرت السعودية مشروعها الوطني للطاقة الذرية في يوليو 2017، بما يشمل خططاً لمفاعلات كبيرة وصغيرة لإنتاج الكهرباء وتحلية المياه. ونقلت خدمة أبحاث الكونغرس عن وزير الطاقة السعودي في 2019 قوله: «نريد الذهاب إلى الدورة الكاملة، من إنتاج اليورانيوم، إلى تخصيب اليورانيوم، إلى استخدام اليورانيوم». كما أشارت إلى تصريحه في يناير 2023 بأن السعودية تعتزم استخدام مواردها المحلية الكبيرة من اليورانيوم لإنتاج وقود منخفض التخصيب.

هذا الخطاب يمكن قراءته في إطار سيادة الطاقة والتصنيع والتخطيط طويل الأمد، لكنه لا ينفصل عن البيئة الأمنية. فقد نقلت خدمة أبحاث الكونغرس أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان قال إن السعودية ستضطر إلى أن تحذو حذو إيران إذا حصلت طهران على سلاح نووي، مع تأكيد السياسة السعودية أن مساعيها في الطاقة النووية محدودة بالأغراض السلمية. هنا يتقاطع المدني بالردعي: لا تتحول محطة الكهرباء إلى سلاح، لكن امتلاك المعرفة والبنية والخيارات في دورة الوقود يغير حسابات الخصوم والحلفاء معاً.

أما واشنطن فتتعامل مع معضلة نفوذ. ترك البرنامج السعودي يتطور خارج الإطار الأميركي قد يمنح الرياض هامشاً أوسع لاختيار شركاء بديلين. وتشير خدمة أبحاث الكونغرس إلى أن السعودية دعت في مايو 2022 إلى عروض تقنية لمفاعلين في خور الدويحين، وأن شركات من بينها المؤسسة الوطنية النووية الصينية و«روساتوم» الروسية كانت ضمن مقدمي العروض المعتمدين المبلغ عنهم حتى يوليو 2024. لا يعني ذلك أن البدائل الروسية أو الصينية كانت حتمية، لكنه يفسر منطق الإدارة الأميركية: البقاء داخل البرنامج يمنح واشنطن قدرة أكبر على وضع الشروط والترخيص والمتابعة، حتى إذا اضطرت إلى قبول نص أقل تشدداً من النموذج الإماراتي.

المعادلة التي يطرحها الاتفاق قاسية: نفوذ أميركي أكبر قد يأتي مع معيار عدم انتشار أكثر مرونة.

في المحصلة، سيكون أثر الاتفاق مرهوناً بالنص النهائي وبكيفية استخدام أدوات الترخيص والرقابة والضمانات بعد دخوله المحتمل حيز النفاذ. فإذا خلا فعلاً من تعهد سعودي صارم بعدم التخصيب وإعادة المعالجة، فسيمنح الرياض غموضاً تفاوضياً في دورة الوقود ويبعث إشارة إقليمية بأن «المعيار الذهبي» ليس شرطاً ثابتاً في الخليج. لكنه في الوقت نفسه يبقي التعاون داخل نظام 123 الأميركي، حيث المراجعة البرلمانية، وتقييم الانتشار، والضمانات الدولية، وقيود نقل التكنولوجيا. بين هذين الحدين ستتحدد النتيجة الجيوسياسية: هل تنجح واشنطن في احتواء الطموح النووي السعودي ضمن مدارها المنظم، أم تفتح باباً لمراجعة أوسع لقواعد عدم الانتشار في الشرق الأوسط في أكثر لحظاته حساسية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى