استراتيجية «تصدير القدرات الرقمية»: كيف تبني شركات التقنية الصينية البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في الأسواق الناشئة؟
تنتقل شركات التقنية الصينية من مجرد بيع معدات الاتصالات إلى تقديم حزم رقمية متكاملة تجمع بين السحابة والأنظمة الذكية منخفضة التكلفة، مما يعيد تشكيل خريطة الاعتماد التقني في دول الجنوب العالمي.
تحول التمدد التقني الصيني في الاقتصاديات النامية من تصدير العتاد الصلب إلى نموذج حاسم يعتمد على «تصدير القدرات الرقمية» (Capability Exports). ولم تعد الشراكات الاقتصاديّة تقتصر على مد الألياف الضوئية وبناء محطات الإرسال، بل أصبحت تعتمد على تزويد الحكومات والشركات بحزم برمجية وسحابية جاهزة التشغيل تتضمن نماذج ذكاء اصطناعي تقدم أداءً مضاهاياً للمنصات الغربية بتكلفة أقل بنسب تصل إلى 80%.
التحول التكتيكي: من بيع الأجهزة إلى «تصدير القدرات الرقمية»
على مدى العقود الماضية، ركّز التمدد التقني الصيني عبر دول الجنوب العالمي في جنوب شرق آسيا، والشرق الأوسط، وأفريقيا، ولاتين أمريكا، وآسيا الوسطى، على بناء البنية التحتية الفيزيائية؛ حيث نفذت شركات مثل «هواوي» و«زد تي إي» نحو 70% من شبكات الجيلين الرابع والخامس في القارة الأفريقية ونسباً متقاربة في مناطق أخرى. وفي عام 2026، تحولت هذه الشبكات الفيزيائية إلى منصة انطلاق لنشر الطبقة البرمجية والأنظمة الذكية.
يقوم هذا التحول على الاستعاضة عن بيع المكونات المنفصلة بتقديم حزم حاسوبية كاملة. وتضم هذه الحزم مناطق سحابية محلية، ونماذج ذكاء اصطناعي تخصصية مثل سلسلة «بانجو» (Pangu) من هواوي وسلسلة «كيون» (Qwen) من علي بابا وديب سيك (DeepSeek)، إلى جانب وكلاء برمجيين مدمجين مباشرة في تدفقات عمل المؤسسات.
وينبع التبني المتسارع لهذه الأنظمة في الأسواق الناشئة من برغماتية اقتصادية بالدرجة الأولى، تشمل الكفاءة العالية في التكلفة، وإمكانية الاستضافة الذاتية للبيانات، والتكيف مع اللغات المحلية غير اللاتينية، وليس من اصطفاف سياسي أو أيدولوجي تجاه بكين. وتساعد هذه المرونة المؤسسات في الدول النامية على تجاوز أزمة الحوسبة العالمية؛ حيث تحتكر أمريكا الشمالية وشرق آسيا نحو 80% من الموارد الحاسوبية المتقدمة للذكاء الاصطناعي، بينما لا يتجاوز حصاد أفريقيا وأمريكا اللاتينية مجتمعتين 5%.
الهندسة الخوارزمية: كيف تخفض معمارية «مزيج الخبراء المتباعد» التكلفة؟
تعتمد الشركات الصينية لتطوير الذكاء الاصطناعي على ابتداء معمارية تقنية تخفض الأعباء الحاسوبية أثناء تشغيل النموذج (Inference). وتأتي في مقدمة هذه الابتكارات معمارية مزيج الخبراء المتباعد (Sparse Mixture of Experts – MoE)، التي تعتمد على تقسيم الشبكة العصبية إلى وحدات فرعية متخصصة تُفعل بناءً على طبيعة السؤال أو المهمة الموكلة إليها، بدلاً من إمرار البيانات عبر كامل معلمات النموذج.
في نموذج Qwen3.8-Max الصادر عن شركة علي بابا بحجم إجمالي يبلغ 2.4 تريليون معلمة، يُفعل النظام 95 مليار معلمة فقط في كل استعلام. وعلى النحو نفسه، يُفعّل نموذج Qwen3.5 البالغ حجمه 397 مليار معلمة نحو 17 مليار معلمة فقط أثناء التشغيل. ويقلل هذا التمييز بين المعلمات الإجمالية والمعلمات النشطة من استهلاك ذاكرة المعالجات الرسومية ويخفض النفقات التشغيلية.
تُضاف إلى ذلك ميزة التفكير ثنائي النمط (السريع والبطيء)، التي تسمح للنظام بالتمييز بين الاستعلامات الإدارية البسيطة التي تُعالج عبر مسار سريع منخفض التكلفة، وبين المهارات البرمجية والتحليلية المعقدة التي تُوجّه إلى الاستدلال العميق. وتفيد بيانات «هواوي سحابة» (Huawei Cloud) بأن هذا التحويل التكيفي في نموذج Pangu 5.5 يرفع الإنتاجية التشغيلية للمؤسسات بما يصل إلى 8 أضعاف.
كما ساهم تطوير مُجزئات النصوص (Tokenizers) للأبجديات غير اللاتينية في دعم 201 لغة ولهجة، من بينها العربية والتايلاندية والأمهرية والإندونيسية. ويقلل هذا التحسين من عدد الوحدات النصية (Tokens) المطلوبة لمعالجة الجمل بلغات غير إنجليزية، مما ينعكس مباشرة على تقليص التكلفة وزمن الاستجابة.
| النموذج / المزود | المعمارية والمعلمات | سعر المدخلات (لكل 1M وحدة) | سعر المخرجات (لكل 1M وحدة) | ميزة التكلفة |
|---|---|---|---|---|
| Alibaba Qwen3.8-Max | مفتوح الأوزان / 2.4T (95B نشط) | $2.00 | $6.00 | أرخص بنسبة 60% إلى 80% |
| OpenAI GPT-5.6 Sol | مغلق ومملوك | $5.00 | $30.00 | خط الأساس |
| DeepSeek V4 Flash | مفتوح الأوزان / Sparse MoE | أجزاء ضئيلة (<$0.50) | أجزاء ضئيلة (<$1.50) | أرخص بنسبة تتجاوز 85% |
تُظهر البيانات المجمعة من منصة OpenRouter، التي تتبعت أكثر من 100 تريليون وحدة نصية، أن الحصة السوقية للنماذج الصينية مفتوحة الأوزان (Open-weight models) قفزت من 1.2% في أواخر عام 2024 إلى نحو 30% من إجمالي الاستخدام العالمي بحلول منتصف عام 2026، حيث تصدرت القوائم اليومية نماذج مثل DeepSeek V4 Flash وXiaomi MiMo V2.5 وTencent Hy3.
التكامل مع السحابة والاتصالات: ربط الخوارزميات بالبنية التحتية المحلية
لا تُباع النماذج الصينية كخدمات معزولة عبر واجهات برمجة سحابية عامة فقط، بل تُدمج داخل «بنية تحتية سحابية قائمة على الذكاء الاصطناعي». وتتضمن هذه الاستراتيجية التوسع في إنشاء مراكز بيانات ومناطق سحابية إقليمية في مدن استراتيجية مثل الرياض، ودبي، وسنغافورة، وجوهانسبرغ، وسانتياغو، لتقليل زمن الاستجابة والالتزام بقوانين السيادة على البيانات المحلية.
وترتبط هذه المناطق السحابية بعقد حاسوبية فائقة تعتمد على المعالجات التخصصية والرقائق المحلية مثل سلسلة Ascend 910 من هواوي ومسرعات Enflame، للالتفاف على قيود التصدير الغربية المفرملة للوصول إلى أحدث رقائق Nvidia. ورغم أن الرقائق الصينية المنفردة قد تسجل أداءً أقصى أقل مقارنة بنظيراتها الغربية المتقدمة، فإن الربط الشديد عبر وصلات MatrixLink عالية السرعة يعوض الفارق في بيئات التشغيل المؤسسي.
وعلى صعيد شبكات الاتصالات، اتجهت بكين في يونيو 2026 إلى اعتماد خطة استثمارية خماسية بقيمة 2.1 تريليون يوان (نحو 295 مليار دولار) لتوسيع مراكز البيانات المترابطة وإنشاء «مصانع الذكاء الاصطناعي» الشاملة. وتتيح هذه الخطة لشركات الاتصالات الإقليمية، مثل Indosat Ooredoo Hutchison في إندونيسيا، دمج خوارزميات الذكاء الاصطناعي مباشرة في الشبكات المحمولة ومحطات الإرسال، لمعالجة مهام المراقبة والتحليل طرفياً دون الحاجة إلى نقل البيانات عبر شبكات دولية.
ترافق هذا المسار مع تأسيس «منظمة التعاون العالمي للذكاء الاصطناعي» (WAICO) في 17 يوليو 2026 خلال مؤتمر الذكاء الاصطناعي العالمي بشانغهاي بمشاركة 29 دولة، لوضع إطار مؤسسي يزود دول الجنوب العالمي بالقدرات الحاسوبية والمعايير القياسية.
النشر الميداني في الجنوب العالمي: تطبيقات من المصارف إلى الزراعة
تظهر الآثار العملية لهذا النموذج في مجالات متعددة عبر الأسواق الناشئة:
- جنوب شرق آسيا: اعتمد بنك OCBC في سنغافورة أكثر من 30 أداة داخلية قائمة على النماذج الصينية مفتوحة الأوزان للتحليل المالي والبرمجة عبر فروعه في ماليزيا وإندونيسيا وثايلاند وفيتنام. وفي الإطار نفسه، أطلق التحالف الوطني (AI Singapore) نموذج Qwen-SEA-LION-v4 المبني على قاعدة «كيون» لتغطية اللغات المحلية لدول أسيان.
- الشرق الأوسط وآسيا الوسطى: وسعت «هواوي سحابة» منطقة خدماتها في الرياض بثلاث مناطق توافر سحابية، بينما أطلقت «علي بابا سحابة» مركز بيانات ثانياً مخصصاً للذكاء الاصطناعي في دبي. وفي أوزبكستان، أُطلقت أقمار صناعية مجهزة بنماذج تحليل البيانات (Star.ai) لمراقبة قطاع القطن والدورات الزراعية في الوقت الفعلي.
- أمريكا اللاتينية وأفريقيا: أطلقت المكتبة الوطنية التشيليّة أول شخصية افتراضية ثنائية اللغة لإحياء التراث بالتعاون مع «هواوي»، في حين تطبق شركات التعدين في المنطقة نماذج الرؤية الحاسوبية للصيانة التنبؤية. وفي أفريقيا، تُطبق نماذج Pangu 5.5 في قطاعات التعدين والنقل بجنوب أفريقيا، في وقت تشير فيه تقديرات اللجنة الاقتصادية لأفريقيا التابعة للأمم المتحدة إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يضيف 1.5 تريليون دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي للقارة بحلول عام 2030 إذا بلغت حصتها 10% من التبني العالمي.
التنافسية التشغيلية والتحديات أمام التوسع الصيني
رغم التمدد السريع لهذه النماذج، تواجه استراتيجية البنية التحتية الصينية قيوداً وتحديات تشغيلية ملموسة. فمن حيث الأداء الفني، تشير اختبارات التقييم المستقلة إلى أن النماذج الغربية المغلقة المتقدمة (مثل GPT-5.6 Sol وClaude 4.5 Opus) لا تزال تحتفظ بفوارق بسيطة في مهام الاستدلال المنطقي والتخصصي المتقدم، على الرغم من تقليص النماذج الصينية لهذه الفجوة في المهام المؤسسية اليومية كالتكويد والأتمتة الوكالية.
من جهة أخرى، تطرح النماذج مفتوحة الأوزان تحديات ترتبط بالجدوى الاقتصادية للمطورين والاستضافة الذاتية للمؤسسات. فبينما يتيح مجانية الأوزان تفادي الارتباط بمزود برمجيات واحد (Vendor Lock-in)، فإن تشغيل نماذج ضخمة بمعمارية تتجاوز مئات المليارات من المعلمات يتطلب استثمارات مستمرة في العتاد المحلي، والطاقة الكهربائية، والخبرات الهندسيّة.
ونتيجة لذلك، تتجه العديد من الشركات في الأسواق الناشئة إلى الاعتماد على المنصات السحابية المدارة (Model-as-a-Service) التي توفرها علي بابا وهواوي، بدلاً من بناء بنية تحتية خاصة بالكامل. وتتيح هذه الصيغة الهجينة للشركات الصينية جني الأرباح عبر استهلاك خدمات الحوسبة السحابية طويلة الأجل، مع تقليل تكاليف الترخيص البرمجي المباشر على المستخدمين.