Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
EXPLAINERS

صفقة “إسلام آباد” وواقع الأرض: لماذا تعجز الدبلوماسية عن إغلاق الملف النووي الإيراني؟

تتسابق واشنطن وطهران لحسم المهلة المحددة بـ 60 يوماً في مذكرة التفاهم التي وقّعت في يونيو 2026، غير أن المؤشرات الميدانية، من انقطاع رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى نقل أجهزة الطرد المركزي إلى أعماق الجبال، تؤكد أن الاتفاق المؤقت لا يعني إنهاء الصراع بل إعادة إدارته.

مع اقتراب انتصف أغسطس 2026، تبلغ المفاوضات الأمريكية – الإيرانية مرحلة حاسمة تنتهي معها مهلة الأيام الستين التي حددتها "مذكرة تفاهم إسلام آباد" الموقعة في 17 يونيو الماضي. ويقف الطرفان أمام اختبار حقيقي: إما تمديد التهدئة المؤقتة وتثبيت ممر بصلات الاقتصاد والتجارة البحرية عبر مضيق هرمز، وإما الانزلاق مجدداً إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.

تأتي هذه اللحظة بعد أشهر قليلة من تحولات جيوستراتيجية كبرى أحدثتها العمليات العسكرية المباشرة بين الطرفين في فبراير 2026، والتي أدت إلى غياب أمين عام النظام وموقع القرار الأول في إيران، آية الله علي خامنئي. ورغم أن ضغط الخسائر الاقتصادية والعسكرية أجبر واشنطن وطهران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات برعاية إقليمية وسويسرية، فإن قراءة الواقع الميداني تكشف عن فجوة عميقة بين المسار السياسي والتطورات التكتيكية على الأرض.

الخلاصة

  • تفاهم إسلام آباد: إطار عمل مؤقت من 14 نقطة يركز على رفع الحصار البحري وتنظيم الملاحة في مضيق هرمز مقابل تجميد العمليات العسكرية واستئناف تصدير النفط الإيراني.
  • انقطاع الرقابة الدولية: أعلنت الأمم المتحدة رسمياً فقدان الوكالة الدولية للطاقة الذرية القدرة على التحقق الميداني ومتابعة مخزونات اليورانيوم عالي تخصيب منذ فبراير 2026.
  • التحصين الميداني: تظهر البيانات الميدانية استمرار نقل أجهزة الطرد المركزي المتطورة إلى منشأة "جبل جازين" (كوه كلنغ كزين) تحت الأرض قرب نطنز.
  • صنع القرار في طهران: انتقل ثقل القرار إلى مجلس الأمن القومي الأعلى برئاسة مسعود بزشكيان وعلي لاريجاني لتوازُن الضغوط الداخلية بين الردع وتخفيف العقوبات.
  • النتيجة التفسيرية: التوصل إلى صفقة مؤقتة لتقليل المخاطر هو سيناريو واقعي وممكن، لكن صياغة اتفاق نووي شامل ودائم اصطدمت باستحالة التحقق الميداني وغياب الثقة المتبادلة.

اتفاق "إسلام آباد": خريطة طريق مؤقتة لانتزاع التهدئة

تأتي التطورات الراهنة امتداداً لمسار دبلوماسي معقد بدأ عقب التصعيد العسكري الواسع في 28 فبراير 2026 ("عملية الشدة القسوى"). وأقرت كل من واشنطن وطهران بكلفة الاستمرار في حرب إقليمية مفتوحة وغير منضبطة، مما دفع المبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى خوض محادثات غير مباشرة مع مسؤولين إيرانيين برعاية باكستانية، توجت بتوقيع "مذكرة تفاهم إسلام آباد" في 17 يونيو 2026.

بحسب البيانات الرسمية والتحليلات المتخصصة المنشورة في مكتبة مجلس العموم البريطاني، تتضمن المذكرة إطاراً حذراً من 14 نقطة يهدف إلى بناء مرحلة انتقالية مقسمة إلى ثلاثة مراحل متتابعة:

  1. التهدئة المباشرة: رفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية وتعهد طهران بضمان الملاحة الآمنة في مضيق هرمز ووقف استهداف القواعد الأمريكية.
  2. الترتيبات النووية الأولية: التزام إيران بعدم تطوير أسلحة نووية، والقبول المبدئي بآلية لتخفيف نسبة التخصيب أو التخلص من المخزونات عالية التخصيب تحت إشراف دولي.
  3. التطبيع الدعمي: إقرار خطة إعادة إعمار دولية مقترحة بقيمة تصل إلى 300 مليار دولار، مع رفع التدريجي للعقوبات المفروضة على صادرات النفط.

ورغم الحماس الدبلوماسي الذي صاحب جولات التفاوض الفنية في بلدة بورغنشتوك السويسرية في أواخر يونيو، فإن الخلافات الجوهرية سرعان ما طفت على السطح عند الخوض في التفاصيل التنفيذية. فبينما تطالب واشنطن بتفكيك شامل للبنية التحتية النووية وإنهاء برنامج الصواريخ والتخلي عن الفصائل الإقليمية، تتمسك طهران بحقها في الاحتفاظ بالتخصيب السلمي داخل أراضيها ورفض التنازل عن عناصر ردعها الاستراتيجي.

"العمى المؤسسي": المعضلة التقنية أمام أي اتفاق

تكمن العقبة الأساسية أمام تحويل التهدئة المؤقتة إلى اتفاق دائم في الهيكل التقني لنظام التفتيش والتحقق الدولي. فالمعاهدات النووية لا تبنى على التعهدات السياسية، بل على القياس المادي الدقيق لكتلة المواد الانشطارية ومواقعها ونسب تخصيبها.

في 10 يوليو 2026، قدمت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشرؤون السياسية، روزماري دي كارلو، إحاطة إلى مجلس الأمن الدولي أكدت فيها أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية فقدت بالكامل الاستمرارية المعرفية وقدرات التفتيش الميداني في جميع المنشآت الإيرانية المعلنة. وجاء هذا الانقطاع نتيجة الضربات العسكرية العنيفة التي استهدفت مواقع نطنز وفردو وأصفهان خلال عامي 2025 و2026، مما أدى إلى تلف أجهزة الرقابة ومنع المفتشين من دخول المواقع.

ولا تعرف الوكالة الدولية اليوم المصير الدقيق لهذا المخزون: هل تعرض للتلف الجزئي جراء الغارات العسكرية؟ أم نُقل إلى أنفاق سرية غير معلنة؟ بدون إعادة بناء "خط الأساس" الميداني وإحصاء كل غرام من المواد الانشطارية، يظل أي تعهد إيراني بـ "تخفيض التخصيب" غير قابل للإثبات التقني من قبل المراقبين الدوليين، مما يجرّد الاتفاقات من سندها التنفيذي.

| وجه المقارنة | خطة العمل الشاملة المشتركة (2015) | إطار مفاوضات (2026) | | :— | :— | :— | | السياق الجيوستراتيجي | تفاوض دبلوماسي متعدد الأطراف في ظروف سلمية | مساومة أزمات تحت إكراه المواجهات العسكرية المباشرة | | وضع التفتيش والرقابة | وصول شامل للوكالة الذرية بموجب البروتوكول الإضافي | "عمى مؤسسي" كامل وفقدان خط الأساس للمخزونات | | المطالب الأمريكية الرئيسية | تقييد التخصيب عند 3.67% وفرض فترة كبح لعام كامل | تفكيك كامل للبرنامج النووي، وإنهاء دعم الفصائل | | المطالب الإيرانية الرئيسية | إلغاء العقوبات الثانوية وفتح الأسواق | رفع الحصار البحري، واستئناف تصدير النفط، والاحتفاظ بالتخصيب |

الواقع الميداني: التصعيد الموازي وتحصينات "جبل جازين"

تُظهر السلوكيات الميدانية للطرفين أن مفاوضات السويس وإسلام آباد لا تعكس رغبة في السلام بقدر ما تعبر عن استراتيجية "التصعيد من أجل التهدئة" لتعديل شروط التفاوض.

فعلى صعيد البنية النووية، أشارت التقارير الميدانية المنشورة في كريبتو بريفينغ في أول أغسطس 2026 إلى أن السلطات الإيرانية بدأت في نقل أجهزة الطرد المركزي المتطورة إلى موقع "كوه كلنغ كزين" (جبل جازين) شديد التحصين بالقرب من نطنز. وتهدف هذه الخطوة إلى نقل قدرات التخصيب الحيوية إلى عمق جبال تحميها من الهجمات الجوية المقبولة، مما يعزز موقف طهران التفاوضي ويضمن استمرار برنامجها بغض النظر عن المسار السياسي.

وعلى صعيد الصراع الإقليمي، لم تتوقف المواجهات التكتيكية بين القوات الأمريكية والفصائل الموالية لإيران. ففي أواخر يوليو 2026، نفذت القوات الأمريكية والسعودية ضربات جوية مشتركة ضد مواقع للحشد الشعبي في العراق، رداً على هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ أطلقتها عناصر مدعومة من الحرس الثوري الإيراني باتجاه مواقع أمريكية في الأردن.

يوضح هذا التصعيد المتبادل أن صانع القرار في كلا البلدين يتعامل مع المفاوضات كساحة مناورة موازية للعمليات العسكرية، حيث يسعى كل طرف لإثبات أن خيار الحرب الشاملة سيكلف خصمه ثقلاً لا يمكن تحمله.

مركز القرار في طهران: إدارة الدولة في مرحلة ما بعد خامنئي

ترافقت هذه التطورات مع تحول هيكلي في آلية اتخاذ القرار داخل العاصمة الإيرانية. فبعد غياب علي خامنئي في فبراير 2026، انتقلت إدارة الملفات السياسية والأمنية العليا إلى مجلس الأمن القومي الأعلى، مما أوجد نمطاً جماعياً في إدارة الأزمة.

يقود الرئيس مسعود بزشكيان الواجهة الدبلوماسية متبعاً توجيهات رسمية تهدف إلى تحقيق "تفاوض عادل ومتوازن" ينهي الاختناق الاقتصادي، بينما يتولى أمين مجلس الأمن القومي الأعلى، علي لاريجاني، بالتنسيق مع قيادات الحرس الثوري، ضبط حدود التنازلات الأمنية.

يهدف هذا التوازُن الداخلي إلى حماية النظام من مسارين أحلامهما مر:

  • السيناريو الأول: القبول بشروط تفكيك كاملة تُظهر النظام بمظهر المستسلم أمام مجتمعه الداخلي وحلفائه الإقليميين.
  • السيناريو الثاني: الرفض المطلق الذي يجر البلاد إلى حرب استنزاف تدميرية في ظل اقتصاد يئن تحت الحصار والتضخم.

لذلك، يجد التيار الإصلاحي والمحافظ داخل مجلس الأمن القومي مصلحة مشتركة في استمرار "حالة التفاوض"، حيث تضمن لهم الحفاظ على قناة اتصال مع واشنطن، وتتيح متنفساً لبيع النفط، دون الالتزام ببنود نزع سلاح دائمة قد تجرد البلاد من أوراق قوتها.

حدود الممكن: هل نصل إلى اتفاق أم إدارة استراتيجية للصراع؟

عند إخضاع البيانات المتاحة للتحليل الموضوعي، يتضح أن فرص التوصل إلى "معاهدة سلام نووية شاملة" بالمعنى الذي عرفه العالم عام 2015 تبدو ضعيفة للغاية. فالحد الأقصى لما يمكن أن تمنحه واشنطن لا يلبي الحد الأدنى مما تطالب به طهران لبقائها الاستراتيجي.

لكن ذلك لا يعني بالضرورة العودة الفورية إلى الحرب الشاملة. إن النموذج الأكثر واقعية للمرحلة القادمة هو "التهدئة المدارة" أو الاتفاقات التكتيكية المتجددة.

من المتوقع أن يلجأ الطرفان، مع انتهاء مهلة الأيام الستين في منتصف أغسطس، إلى تمديد العمل بمذكرة إسلام آباد أو التوصل إلى ترتيبات مرحلية تدريجية. تضمن هذه الآلية لواشنطن استقرار أسعار الطاقة وسلاسة الملاحة البحرية، وتوفر لطهران تدفقات مالية حيوية وتجنبها ضربات جديدة للبنية التحتية.

إن الأدلة الميدانية والمستندية تثبت أن الأزمة الإيرانية – الأمريكية قد انتقلت من مرحلة "المفاوضات من أجل الاتفاق" إلى مرحلة "المفاوضات لإدارة الصراع". وبينما تسعى الدبلوماسية إلى صياغة بيانات مشتركة، تستمر المصانع العسكرية والمواقع الجبلية في إعادة تشكيل موازين القوة على الأرض.

المصادر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى