Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
EXPLAINERS

نهائي إسبانيا والأرجنتين: كيف صار الملعب شاشة لصراع رمزي حول فلسطين وإسرائيل

لم يصنع اللاعبون هذا الاشتباك السياسي؛ بل غذّته إشارات مسؤولين وتداولات إعلامية وجماهيرية استندت إلى موقفي مدريد وبوينس آيرس الخارجيين.

النقاط الرئيسية

  • فازت إسبانيا على الأرجنتين 1-0 في نهائي كأس العالم 2026، وبرز خارج الملعب سجال سياسي في الإعلام وبعض الجمهور الرقمي حول ما ترمز إليه الحكومتان في ملف فلسطين وإسرائيل.
  • أقوى صياغة تدعمها الأدلة هي أن النهائي صُوّر لدى بعض المسؤولين والإعلام والجمهور الرقمي كساحة رمزية، لا كـ"حرب وكالة" رسمية بين دول.
  • دعم بنيامين نتنياهو للأرجنتين كان أوضح إشارة رسمية مرتبطة مباشرة بالنهائي، بينما بدت الإشارات الإيرانية والفلسطينية أكثر رمزية أو غير مباشرة.
  • لا تتوافر بيانات شاملة عن حجم انتشار السردية بين الجمهور، لذلك لا يصح وصفها بأنها موقف عالمي عام أو طاغٍ.
  • لا دليل على أن اللاعبين أو الاتحادين الكرويين صاغوا هذا الاشتباك السياسي أو تبنّوه في سياق النهائي.

ما الذي حدث خارج نتيجة النهائي؟

فازت إسبانيا على الأرجنتين 1-0 في نهائي كأس العالم 2026، في 19 يوليو، على ملعب نيويورك/نيوجيرسي. سجّل فيران توريس هدف المباراة الوحيد في الدقيقة 106، وانتهى النهائي بنتيجة رياضية واضحة. لكن المعنى السياسي الذي أُلصق بالمباراة كان أقل وضوحاً، وأكثر قابلية للتنازع.

الإجابة الأقرب إلى الأدلة أن النهائي لم يتحول إلى "حرب وكالة" رسمية حول الشرق الأوسط، لكنه صُوّر لدى بعض المسؤولين ووسائل الإعلام والجمهور الرقمي كساحة رمزية لإظهار مواقف قائمة أصلاً من الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. جاءت قابلية هذا الإسقاط من التباين بين حكومة إسبانية اعترفت بدولة فلسطين وانتقدت سياسة إسرائيل في غزة، وإدارة أرجنتينية بقيادة خافيير ميلي طورت علاقة وثيقة مع إسرائيل.

هذا الفرق مهم. فاللاعبون لم يظهروا، وفق الأدلة المتاحة، كفاعلين في صناعة هذا الانقسام. الذي حدث أن السياسة الخارجية والرموز والصور القديمة وتفضيلات مسؤولين أجانب صُنعت حول المنتخبين، لا من داخلهما. لذلك تكمن أهمية النهائي في ما كشفه عن هششة الفصل بين الرياضة الكبرى والدبلوماسية الرمزية، لا في أنه غيّر مسار السياسة في الشرق الأوسط.

لم يتحول النهائي إلى موقف دبلوماسي رسمي، بل إلى مساحة رمزية أسقطت عليها أطراف مختلفة اصطفافاتها القائمة.

لماذا بدت إسبانيا والأرجنتين قابلتين لهذا الإسقاط؟

لم يبدأ التسييس من أحداث النهائي نفسه، بل من صورتين سياسيتين سابقتين للمباراة. في الحالة الإسبانية، تعود قوة الرمز إلى اعتراف إسبانيا بدولة فلسطين في 2024، إلى جانب أيرلندا والنرويج. ويصف "المونيتور" حكومة بيدرو سانشيز بأنها من أشد الحكومات الأوروبية انتقاداً للحملة العسكرية الإسرائيلية في غزة.

هذا لا يعني أن المنتخب الإسباني "مثل فلسطين"، ولا أن المجتمع الإسباني كله اختُزل في موقف واحد. المعنى الأدق أن سياسة الحكومة الإسبانية وفّرت مادة جاهزة لجمهور مؤيد للفلسطينيين كي يقرأ فوز إسبانيا أو مشاركتها باعتبارها إشارة معنوية أكبر من كرة القدم.

في المقابل، وفّرت إدارة خافيير ميلي في الأرجنتين مادة رمزية معاكسة. أعلن ميلي، خلال زيارة إلى إسرائيل في يونيو 2025، خططاً لنقل سفارة الأرجنتين إلى القدس. ويورد "المونيتور" أن ميلي زار إسرائيل مرات عدة وأنه مؤيد قوي لها. لذلك صار المنتخب الأرجنتيني، في خطاب بعض المؤيدين لإسرائيل، قابلاً لأن يُقرأ بوصفه امتداداً رمزياً لعلاقة سياسية بين بوينس آيرس وتل أبيب.

لكن هذه القراءة تحتاج إلى قيد أساسي. يشير "المونيتور" أيضاً إلى أن الأرجنتين تضم أكبر جالية يهودية في أميركا اللاتينية، ولديها كذلك سكان كثيرون من أصول عربية، وأن الرأي العام تجاه إسرائيل لا يطابق بالضرورة السياسة الرسمية. لذلك لا يصح اختزال الأرجنتين، مجتمعاً ولا منتخباً، في موقف إدارة ميلي.

كيف دخل المسؤولون إلى المشهد؟

أوضح إشارة رسمية مباشرة جاءت من بنيامين نتنياهو. قال رئيس الوزراء الإسرائيلي إنه يدعم الأرجنتين قبل النهائي، وربط ذلك بعلاقته مع ميلي. وقال أيضاً: "أبحث عن الأرجنتين في كأس العالم"، واصفاً ميلي بأنه "صديق عظيم لإسرائيل". هذه العبارة لم تكن بيان سياسة، لكنها منحت المباراة معنى دبلوماسياً ناعماً: تشجيع منتخب وطني بوصفه إيماءة إلى علاقة سياسية.

دخل مسؤولون إسرائيليون آخرون في الإطار نفسه بدرجات مختلفة. احتفل وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بفوز الأرجنتين في نصف النهائي عبر منصة إكس بالإسبانية، وكتب: "الشرف لمن يستحق الشرف، والآن بإيمان نحو النهائي!". وكتب وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، بعد اجتماعه مع وزير الخارجية الأرجنتيني بابلو كويرنو، أنهما بحثا علاقات إسرائيل مع أميركا اللاتينية و"رفعا الكأس" احتفالاً بفوز الأرجنتين المثير للإعجاب في نصف النهائي.

هذه الإشارات لا تكفي للقول إن إسرائيل حولت النهائي إلى حدث دبلوماسي رسمي. لكنها تكشف آلية مألوفة في القوة الناعمة: مسؤول يستثمر لحظة رياضية عالمية كي يعلن قرباً سياسياً أو عاطفياً من دولة أخرى، من دون الدخول في مفاوضات أو قرارات.

على الجهة الأخرى، ظهرت إشارات فلسطينية وإيرانية باتجاه إسبانيا. نشرت بعثة فلسطين لدى الأمم المتحدة صورة للامين يامال وهو يحمل علماً فلسطينياً، مرفقة بعبارة "Viva España" قبل النهائي. أما سفارة إيران في كينيا فهنأت إسبانيا بعد فوزها في نصف النهائي، وقالت إن إسبانيا "لن تُنسى أبداً لوقوفها في الجانب الصحيح من التاريخ".

غير أن الصلة الإيرانية بالنهائي أضعف من الصلة الإسرائيلية. يورد "المونيتور" أن مسؤولين إيرانيين أثنوا على موقف إسبانيا من قضايا الشرق الأوسط، وأن السفارة الإيرانية استخدمت لغة سياسية أخلاقية بعد نصف النهائي. لكن الأدلة المتاحة لا تظهر أن الحكومة الإيرانية المركزية أعلنت النهائي نفسه ساحة مواجهة رمزية.

ما دور الإعلام والجمهور الرقمي؟

ساعد الإعلام على تحويل إشارات متفرقة إلى قصة مفهومة: إسبانيا كرمز مؤيد للفلسطينيين، والأرجنتين كرمز مؤيد لإسرائيل. قبل النهائي بيوم، نشرت "تايمز أوف إسرائيل/وكالة التلغراف اليهودية" مقالة بعنوان يفيد بأن نهائي الأرجنتين وإسبانيا أصبح وكيلاً للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، ورأت أن مشجعين على الإنترنت قرأوا المباراة من خلال المواقف المرتبطة بإسرائيل في مدريد وبوينس آيرس.

في يوم النهائي، ذهب "المونيتور" إلى صياغة أكثر حذراً، إذ قال إن "بعض المشجعين" صوروا المباراة كمعركة وكالة حول إسرائيل وفلسطين، مع تنبيه مهم: هذا التأطير يتعلق بالسياسة المحيطة بالمنتخبين أكثر مما يتعلق بالمنتخبين نفسيهما.

هذه النقطة هي محور القصة. فالجمهور الرقمي لا يحتاج إلى قرار رسمي كي يصنع دلالة سياسية من حدث رياضي. تكفيه صورتان واضحتان، وقادة معروفون بمواقفهم، ولقطات قابلة للتداول. صورة يامال بالعلم الفلسطيني، رغم أنها تعود إلى احتفالات برشلونة بلقب الدوري الإسباني وليست بياناً في نهائي كأس العالم، صارت مادة رمزية في منشور بعثة فلسطين لدى الأمم المتحدة. وفي الاتجاه الآخر، استخدم مؤيدون لإسرائيل علاقة ميلي بإسرائيل لتأطير تشجيع الأرجنتين.

لكن الدليل على حجم هذا التسييس محدود. لا تتوافر، وفق البحث، تحليلات شاملة لحجم الوسوم أو نطاقها الجغرافي أو كبار مضخميها. لذلك يصح الحديث عن سردية ظهرت في الإعلام وبين بعض الجماهير الرقمية، لا عن تبنٍ عالمي واسع يمكن قياسه.

قوة القصة في رمزيتها لا في حجمها المقاس؛ فالأدلة تثبت الظهور والتضخيم الإعلامي، لا الإجماع الجماهيري.

أين تقف حدود رواية "النهائي السياسي"؟

أهم حدّ لهذه الرواية أنها لا تصدر من المنتخبين. لا توجد أدلة على أن الاتحاد الإسباني أو الاتحاد الأرجنتيني ربط النهائي بالصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. ولا توجد أدلة على أن اللاعبين، جماعياً، تبنوا هذا التأطير أو سعوا إلى تحويل المباراة إلى رسالة دبلوماسية.

حتى أوضح مثال لاعب ذُكر في الأدلة، أي صورة لامين يامال مع العلم الفلسطيني، يحتاج إلى ضبط دقيق. الحادثة سبقت نهائي كأس العالم وجاءت في سياق احتفالات برشلونة بلقب الدوري الإسباني. قال بيدرو سانشيز إن يامال "عبّر فقط عن التضامن مع فلسطين الذي يشعر به ملايين الإسبان"، لكن "المونيتور" يذكر أن يامال لم يعلق علناً على قضية العلم الفلسطيني.

لذلك لا يجوز تحويل صورة متداولة إلى دليل على موقف المنتخب الإسباني في النهائي، ولا تحويل تشجيع نتنياهو للأرجنتين إلى تفويض سياسي للمنتخب الأرجنتيني. ما تثبته الأدلة هو إسقاط سياسي على منتخبات وطنية، لا إعلاناً سياسياً صادراً عن غرف الملابس.

وهنا يظهر الفارق بين الدلالة والتمثيل. يمكن لمنتخب وطني أن يتحول إلى حامل رمزي لهوية الدولة في أعين الجمهور، لكن هذا لا يجعله ناطقاً باسم الحكومة أو المجتمع. في الأحداث الكبرى، تشتغل الرموز بسرعة أكبر من التصريحات الرسمية، وقد تكفي صورة أو منشور أو قميص لتغذية قراءة سياسية متداولة بين بعض الأصوات والإعلام والجمهور الرقمي، حتى إن بقيت القراءة محل نزاع.

ما الذي يكشفه النهائي عن تسييس الأحداث الكبرى؟

يكشف نهائي إسبانيا والأرجنتين أن الأحداث الثقافية الكبرى تمنح القادة والجمهور مساحة قليلة الكلفة لإظهار الانتماء السياسي. لا يحتاج المسؤول إلى إعلان عقيدة جديدة؛ يكفي أن يشجع منتخباً، أو يتبادل قميصاً، أو يربط دعمه بعلاقة شخصية مع زعيم آخر. ولا يحتاج الجمهور إلى تنظيم سياسي واسع؛ يكفي أن يعيد تدوير صور ومواقف سابقة في لحظة مشاهدة عالمية.

لكن هذا لا يثبت أن كل حدث رياضي عالمي يتحول حتماً إلى معركة سياسية. الأدلة هنا أضيق من ذلك. ما تثبته أن قابلية التسييس ترتفع عندما تتوافر ثلاثة عناصر معاً: منتخب يمثل دولة ذات موقف خارجي بارز، وخصم ترتبط حكومته باصطفاف معاكس أو مختلف، وبيئة إعلامية رقمية قادرة على تبسيط التباين في ثنائية سهلة التداول.

من هذه الزاوية، لم تكن المباراة سبباً في الانقسام حول فلسطين وإسرائيل، بل شاشة عرض له. استثمرها بعض المسؤولين لتأكيد تحالفات أو تعاطفات، واستخدمها بعض الجمهور لتجسيد مواقف أخلاقية وسياسية، وحولتها وسائل إعلام إلى قصة عن السياسة خلف كرة القدم.

الإجابة النهائية إذن مزدوجة: نعم، استُخدم نهائي 2026 رمزياً لإسقاط مواقف من الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، عبر تصريحات مسؤولين وإشارات رسمية ومنشورات ومقالات وجمهور رقمي. لكن لا، لا تسمح الأدلة بوصفه حرب وكالة رسمية أو سردية جماهيرية شاملة أو موقفاً صادراً عن اللاعبين. قوته السياسية كانت في الصورة والرمز والضجيج الإعلامي، لا في القرار الدبلوماسي أو الفعل الرياضي نفسه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى