رسوم هرمز تواجه اختبار المرور العابر في قانون البحار
المعيار الحاسم ليس مَن يحرس المضيق أو يطل عليه، بل ما إذا كانت الرسوم ثمناً لعبور ممر دولي أم مقابلاً لخدمة محددة وغير تمييزية.
النقاط الرئيسية
- مضيق هرمز يُعامل قانونياً بوصفه مضيقاً طبيعياً مستخدماً للملاحة الدولية، لا قناة صناعية تخضع لنظام سيادي وتجاري خاص.
- نظام المرور العابر في اتفاقية قانون البحار يحمي العبور المستمر والسريع، ويمنع الدول المطلة من عرقلته أو تعليقه.
- الرسوم الإلزامية لمجرد عبور هرمز تواجه عقبة قانونية جدية، سواء طالبت بها إيران أو عُمان أو قوة خارجية مثل الولايات المتحدة.
- تبقى المسألة أضيق إذا تعلقت الرسوم بخدمة فعلية اختيارية وغير تمييزية، لكن التفاصيل المتاحة عن المقترحات المطروحة تشير إلى مساس بحق العبور نفسه.
- المقارنة مع السويس تصلح للتباين لا للاقتباس القانوني، لأن رسوم القناة لا تنشئ سابقة لفرض رسوم أحادية على مضيق طبيعي.
أين تبدأ المسألة القانونية؟
السؤال في هرمز ليس ما إذا كان الممر مهماً أو مكلفاً في تأمينه، بل ما إذا كان يحق لأي طرف تحويل حق العبور في مضيق دولي إلى خدمة مدفوعة. هنا تظهر الفجوة بين المنطق التجاري والمنطق القانوني. فالسفينة التي تعبر مضيقاً طبيعياً مستخدماً للملاحة الدولية لا تدخل، في الأصل، منشأة تجارية بنتها دولة وتديرها كقناة، بل تستخدم ممراً بحرياً تحكمه قواعد العبور في القانون الدولي للبحار.
عرضت تقارير مايو 2026 آلية إيرانية جديدة باسم سلطة مضيق الخليج الفارسي، مع خريطة لمنطقة بحرية خاضعة للسيطرة وتحذير بأن السفن تحتاج إلى تفويض إيراني للمرور. وامتد الوصف المنشور لتلك المنطقة إلى مداخل شرقية وغربية للمضيق، مع طلب معلومات تفصيلية عن السفينة والشحنة والمالك والمدير ودولة العلم وموانئ المغادرة والوصول وجنسيات الطاقم. وقال الحرس الثوري الإيراني إنه ينسق ويحمي حركة السفن عبر الممر، وإن 26 سفينة عبرت تحت إشرافه في أحد أيام الخميس من مايو.
ثم جاء طرح أميركي موازٍ في يوليو 2026. كتب الرئيس دونالد ترمب أن الولايات المتحدة ستُعرف بأنها “حارسة مضيق هرمز”، وأنها ستسترد كلفة السلامة والأمن “بنسبة 20% على كل البضائع المشحونة”. وقال أيضاً إن الولايات المتحدة ستصبح “حارسة” أو “الملاك الحارس” للمضيق، ويجب أن تُدفع لها كلفة حراسته. لم تثبت التفاصيل المتاحة وجود نظام تحصيل أميركي مطبق، كما ظلّت أسئلة التنفيذ بلا إجابات واضحة.
بهذا المعنى، يتشابه الطرحان في نقطة قانونية واحدة رغم اختلاف موقعي إيران والولايات المتحدة: كلاهما يربط العبور أو أمن العبور بمقابل مالي عام. إيران دولة مطلة على المضيق، لكن سلطتها مقيدة بقواعد المرور العابر. أما الولايات المتحدة فليست دولة مطلة على هرمز، ولا تملك سلطة تنظيم ساحلية عادية فيه لمجرد أنها توفر حضوراً أمنياً أو بحرياً.
المشكلة القانونية في هرمز لا تنشأ من وجود خدمة أمنية، بل من تحويل حق العبور ذاته إلى رسم إلزامي.
ما الذي يحميه نظام المرور العابر؟
يُعامل مضيق هرمز في التحليل الحديث لقانون البحار كمضيق طبيعي مستخدم للملاحة الدولية بين إيران وعُمان. وتخضع هذه الفئة من المضائق في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لنظام المرور العابر، لا لسلطة تقديرية عادية تمنح الدولة الساحلية حق السماح والمنع كما تشاء.
يعني المرور العابر ممارسة حرية الملاحة والتحليق فقط لغرض العبور المتواصل والسريع عبر مضيق مستخدم للملاحة الدولية. وتستطيع الدولة المطلة اعتماد قواعد في مجالات السلامة، وتنظيم حركة المرور، ومكافحة التلوث، والصيد، والجمارك، والهجرة، والصحة. لكن هذه الصلاحيات لا تبيح عرقلة المرور العابر أو تعليقه. وتنص المادة 44 من اتفاقية قانون البحار على أن الدول المطلة على المضائق لا يجوز أن تعوق المرور العابر، وأنه لا تعليق لهذا المرور.
هذه البنية القانونية تميز بين التنظيم المشروع والتحكم في أصل الحق. فإلزام السفن باتباع قواعد سلامة مقبولة دولياً أو مسارات فصل حركة لا يساوي اشتراط موافقة سياسية مسبقة، ولا يساوي وضع قائمة أولويات بحسب علاقات الدول بطهران أو أي عاصمة أخرى. كذلك لا تتحول الرقابة على السلامة إلى رخصة لفرض رسم على مجرد العبور.
ليست إيران ولا الولايات المتحدة طرفين في اتفاقية قانون البحار؛ إيران وقّعت ولم تصدّق، والولايات المتحدة لم تصدّق. عُمان طرف في الاتفاقية. غير أن الأهمية العملية لا تقف عند التصديق وحده. فتقييم تشاتام هاوس يشير إلى أن الولايات المتحدة ترى أن قواعد المرور العابر أصبحت عرفاً دولياً ملزماً لغير الأطراف. كما يعكس موقف المنظمة البحرية الدولية ومصادر قانونية بحرية اتجاهاً واسعاً يعتبر الرسوم الإلزامية لمجرد عبور هرمز صعبة التوفيق مع هذا النظام.
وقالت المنظمة البحرية الدولية إنها تقف بحزم ضد فرض رسوم على المرور عبر المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، وإنه لا يوجد أساس قانوني لإدخال رسوم إلزامية لمجرد العبور من مضيق. وسبق لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن قال في يونيو 2026 إن “لا دولة يُسمح لها بفرض رسوم أو أتاوات على ممر مائي دولي”، واصفاً ذلك بالقانون الدولي القائم. أهمية هذا التصريح أنه صدر قبل طرح ترمب لفكرة التعويض الأميركي، ما يكشف التوتر بين الموقف القانوني المعلن والاقتراح السياسي اللاحق.
أين يمكن أن تصبح الرسوم مشروعة؟
ليست كل دفعة مالية في محيط مضيق دولي مخالفة بذاتها. قد تظهر رسوم أضيق نطاقاً إذا تعلقت بخدمة فعلية، اختيارية، وغير تمييزية، مثل إرشاد ملاحي، أو مساعدة ملاحية محددة، أو إنقاذ، أو تغطية تأمينية لا تُفرض كشرط لعبور الممر. هنا يتغير السؤال: هل يدفع مالك السفينة مقابلاً لخدمة طلبها أو استفاد منها على نحو محدد، أم يدفع ثمناً للحق في المرور؟
التقارير المتاحة عن النظام الإيراني تجعل هذا التمييز حاسماً. فقد وُصف النظام بأنه يتضمن تفويضاً، وفحصاً لمعلومات السفن والبضائع، وتعليمات مسار، وربما دفعات مالية، مع طرح إيراني لفكرة التأمين والخدمات الأمنية. ونقلت ABC عن رويترز أن النظام استخدم موافقات متدرجة، تمنح أولوية للسفن المرتبطة بروسيا والصين، ثم للدول الأقرب إلى طهران، مع مسارات موافقة أو اتفاقات حكومية لغيرها. وقال مصدران أوروبيان في قطاع الشحن لرويترز، كما نقلت ABC، إن بعض السفن خارج الترتيبات الرسمية دفعت مبالغ كبيرة، تجاوزت في بعض الحالات 150 ألف دولار، لتأمين العبور.
هذه التفاصيل لا تثبت وجود تعرفة إيرانية منشورة وعامة. كما أن الأداة القانونية الدقيقة التي أنشأت السلطة الإيرانية لم تكن متاحة ضمن الأدلة المتوافرة. لذلك يجب التعامل مع نظام الرسوم باعتباره موصوفاً في تقارير موثوقة لا كنظام تعرفته مكتملة ومثبتة بوثائق رسمية منشورة. غير أن المسألة القانونية لا تحتاج إلى اكتمال كل جدول رسوم كي تظهر: إذا كان الدفع أو رمز الموافقة شرطاً للعبور نفسه، فإن النظام يقترب من عرقلة المرور العابر.
أما فكرة “Hormuz Safe” التي ذكرتها وكالة فارس، فتظل أضعف من حيث التحقق. قالت فارس إن وزارة الاقتصاد الإيرانية تمضي في خطة لإدارة المضيق عبر التأمين، بما يشمل منصة تقدم تغطية تأمين بحري مدفوعة بالبتكوين. لكن ABC ذكرت أنها لم تستطع التحقق مستقلاً من الموقع، ووجدته غير متاح أثناء فحوصها. لذلك لا يصح عرضها كسوق تأمين قائمة، بل كخطة منسوبة إلى رواية إيرانية.
كلما انتقلت الرسوم من خدمة محددة إلى شرط عبور، اقتربت من تعارض مباشر مع نظام المرور العابر.
لماذا تصلح السويس للمقارنة العكسية؟
تبدو قناة السويس، للوهلة الأولى، مثالاً مغرياً لمن يريد تبرير رسوم هرمز: ممر حيوي، تعبره التجارة الدولية، وتُفرض فيه رسوم معروفة. لكن التشابه الاقتصادي لا يصنع تشابهاً قانونياً. فالسويس قناة صناعية، لا مضيقاً طبيعياً. وهي تدار مصرياً عبر هيئة قناة السويس ضمن إطار سيادي وتاريخي خاص.
تنص اتفاقية القسطنطينية لعام 1888، كما تنشرها هيئة قناة السويس، على أن قناة السويس البحرية “تظل دائماً حرة” لسفن التجارة والحرب دون تمييز في العلم، وأن الأطراف لا تتدخل في حرية استخدامها في الحرب أو السلم. لكن كلمة “حرة” هنا لا تعني مجانية بالمعنى التجاري اليومي، بل تعني انفتاح الملاحة والمساواة وعدم الإغلاق أو التمييز. وتقر الاتفاقية أيضاً بمسؤولية الحكومة المصرية، ضمن سلطاتها، عن اتخاذ التدابير اللازمة لتنفيذ الالتزامات، مع حفظ حقوق السيادة غير المتعارضة مع تلك الالتزامات.
لذلك لا ينتقل منطق رسوم القناة إلى هرمز. مصر تدير ممراً صناعياً له مؤسسة ورسوم ونظام تاريخي مختلف، بينما الدول المطلة على مضيق طبيعي لا تملك، بمجرد الإطلالة الجغرافية، حق تحويل المرور العابر إلى ترخيص مدفوع. وبالسبب ذاته، لا تصلح قناة بنما أو غيرها من القنوات الصناعية، في هذا الإطار، كسابقة مباشرة لفرض رسوم أحادية على مضيق دولي طبيعي.
يختلف نموذج المضائق التركية أيضاً. فالبوسفور وبحر مرمرة والدردنيل تخضع لنظام اتفاقية مونترو لعام 1936، وهو إطار تعاهدي خاص، مهم خصوصاً لعبور السفن الحربية والوصول إلى البحر الأسود. قيمة هذا المثال في المقارنة أنه يثبت العكس تقريباً: بعض الممرات لها نظم خاصة لأن الدول تفاوضت عليها في معاهدات محددة، لا لأن أي دولة مطلة تستطيع اختراع رسم جديد بإرادة منفردة.
ماذا عن الولايات المتحدة كقوة حراسة خارجية؟
إذا كان وضع الدولة الساحلية مقيداً، فإن وضع القوة الخارجية أضيق. تستطيع قوة بحرية أن تزعم أنها توفر أمناً أو تردع تهديداً أو تحمي التجارة، لكن ذلك لا يمنحها تلقائياً سلطة فرض رسم على كل شحنة تمر عبر مضيق دولي. فالسلطة التنظيمية في نظام المرور العابر تعود أصلاً إلى الدول المطلة ضمن حدود ضيقة، ولا تتحول كلفة الانتشار العسكري إلى حق جباية عام على التجارة.
اقتراح ترمب برسم نسبته 20% على كل البضائع المشحونة يطرح لذلك إشكالاً إضافياً. فالرسم ليس مصوغاً، وفق ما هو متاح، كبدل خدمة اختيارية تطلبها سفينة بعينها، بل كتعويض واسع عن “السلامة والأمن”. وكلما اتسع الرسم ليغطي كل البضائع، ضعف شبهه برسوم خدمة بحرية محددة، وازداد شبهه بمحاولة تسييل ممر دولي عام.
قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن إيران، لا الولايات المتحدة، تسيطر على المضيق وتستحق التعويض عن هذه الخدمة، معتبراً أن نسبة 20% “كبيرة جداً”. لكن هذا الرد لا يحل العقدة القانونية؛ فهو ينقل مطلب التعويض من واشنطن إلى طهران بدل أن يثبت أن التعويض جائز أصلاً. فالاختبار يبقى واحداً: هل المال مقابل خدمة فعلية غير مفروضة على أصل المرور، أم مقابل السماح بالعبور؟
وتتجاوز المخاطر الحساب المباشر لأي رسم. فلو قُبل مبدأ تحويل هرمز إلى نقطة إيراد إلزامية، فقد تشجع الفكرة مطالب مشابهة عند نقاط اختناق أخرى مثل ملقا وباب المندب والمضائق التركية والدنماركية أو مشاريع قنوات مستقبلية. كما يفتح ذلك أسئلة عملية لشركات الشحن وشركات التأمين ونوادي الحماية والتعويض بشأن المدفوعات لكيانات إيرانية مرتبطة بالدولة، ولا سيما الحرس الثوري، وما قد يترتب عليها من آثار عقابية أو تأمينية.
ما الإجابة الأقرب إلى الأدلة؟
لا تمنح قواعد العرف الدولي ونظام المرور العابر، بالقراءة الأقوى المدعومة بالأدلة المتاحة، إيران أو عُمان أو الولايات المتحدة حقاً أحادياً في فرض رسوم إلزامية لمجرد عبور السفن مضيق هرمز. الدول المطلة تستطيع تنظيم السلامة والبيئة وحركة المرور ضمن حدود معلومة، لكنها لا تستطيع عادة تحويل هذا التنظيم إلى موافقة سياسية أو تمييز في المرور أو رسم على أصل العبور. والقوة الخارجية لا تكسب حق الجباية لأنها تقول إنها تحرس الممر.
تبقى مساحة قانونية أضيق لرسوم ترتبط بخدمات فعلية، محددة، وغير تمييزية، ولا تجعل الدفع شرطاً لممارسة حق المرور العابر. لكن النظام الإيراني كما وُصف في التقارير، وفكرة التعويض الأميركي كما صاغها ترمب، يبدوان أقرب إلى فرض كلفة على المرور نفسه منهما إلى تسعير خدمة بحرية اختيارية.
أما قناة السويس فليست طريقاً مختصراً لتبرير رسوم هرمز. السويس قناة صناعية لها نظام سيادي وتعاهدي خاص، واتفاقية القسطنطينية تضمن الانفتاح والمساواة ولا تحولها إلى مضيق طبيعي. والمضائق التركية يحكمها نظام مونترو الخاص، لا قاعدة عامة تسمح بالتسعير الأحادي. لذلك يكون الجواب العملي للملاحة والأسواق واضحاً بقدر ما تسمح به الأدلة: الخطر في هرمز ليس رسم عبور جديداً فقط، بل سابقة قانونية قد تنقل منطق القنوات التجارية إلى مضائق طبيعية صُمم القانون الدولي لحماية المرور العابر فيها.