كلفة الحرب وممرات النفط
بين فاتورة عسكرية أميركية غير نهائية واضطراب متجدد في باب المندب، تتسع دائرة الضغط من ميزانية الدفاع إلى سلاسل الإمداد وأسواق الطاقة.
حين قال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث للمشرعين، في 21 يوليو (تموز) 2026، إن الحرب الأميركية في إيران كلّفت 37.5 مليار دولار «حتى الآن»، بما يشمل جوانب من الحرب وتكاليف متوقعة حتى 30 سبتمبر (أيلول)، لم يكن الرقم مجرد بند إضافي في سجال واشنطن حول الإنفاق الدفاعي. في التوقيت ذاته تقريباً، كانت رسائل التهديد الحوثية إلى شركات الشحن، وتحولات مسار ناقلات في البحر الأحمر، تنقلان الأزمة من دفاتر البنتاغون إلى خرائط التجارة العالمية. هكذا تتلاقى كلفتان: كلفة مباشرة أو متوقعة تدفعها الخزانة الأميركية، وكلفة غير مباشرة تتوزع على الناقلين والتجار والمستوردين وشركات التأمين، عبر زمن أطول ورحلات أبعد ومخاطر أعلى.
لكن أهمية الرقم لا تكمن في ضخامته وحدها، بل في طبيعته. فهو، بحسب ما نُقل عن إفادة هيغسيث، ليس حساباً نهائياً ومدققاً لكلفة الحرب، بل تقدير يشمل إنفاقاً قائماً وتكاليف منتظرة حتى نهاية السنة المالية الأميركية. كما أن طريقة احتسابه وفئاته التفصيلية لم تكن واضحة في رواية «رويترز». وهذه نقطة جوهرية، لأن السياسة المالية لا تتعامل مع رقم كهذا كما تتعامل مع فاتورة مغلقة، بل كإشارة إلى ضغط يتراكم داخل ميزانية الدفاع، وقد يتحول إلى طلبات تمويل طارئة أو إعادة توزيع بين التدريب والصيانة والقدرات المستقبلية.
من رقم عسكري إلى مأزق مالي
تأتي دلالة الـ37.5 مليار دولار من ارتباطها بسياق أوسع: إدارة الرئيس دونالد ترمب طلبت من الكونغرس في يونيو (حزيران) 2026 تمويلاً إضافياً يقارب 90 مليار دولار، معظمُه مرتبط بالنزاع مع إيران وفق ما أوردته «رويترز»، فيما حث هيغسيث المشرعين على تمويل هذا الطلب، إضافة إلى طلب ميزانية دفاعية للسنة المالية 2027 يبلغ 1.5 تريليون دولار. هنا لا يعود الرقم وصفاً لماضٍ عسكري فقط، بل يصبح أداة ضغط في معركة اعتمادات: هل تُموَّل العمليات الجارية عبر إنفاق طارئ يضاف إلى العجز، أم عبر مزاحمة بنود أخرى داخل الميزانية؟
وقد عرض المسؤولون الدفاعيون هذه المعضلة بلغة الجاهزية. فقد قال هيغسيث إن التدريب العسكري سيتعين تقليصه من دون زيادة عاجلة في التمويل، فيما أشار الجنرال دان كاين إلى أن البنتاغون قد يواجه صعوبة في تغطية تكاليف الصيانة والقدرات المستقبلية، مع تأكيده أن رواتب العسكريين ستُدبَّر. هذه الصياغة تكشف الآلية الاقتصادية للإنفاق العسكري في الأزمات: الحرب لا تستهلك الذخائر والطلعات والانتشار فقط، بل تستهلك أيضاً هامش المناورة في المؤسسة الدفاعية، فتدفعها إلى المفاضلة بين الحاضر العملياتي والاستثمار في المستقبل.
الكلفة العسكرية لا تبقى داخل الميزانية حين تتزامن مع اختناق بحري؛ إنها تنتقل إلى الاقتصاد العالمي عبر سعر الزمن والمخاطر.
هذا لا يعني أن الرقم المعلن يساوي طلب التمويل الإضافي، أو أن الكونغرس سيقره كما هو، أو أن كل دولار في الطلب سيذهب إلى نزاع إيران. غير أن وجود تقدير كبير ومفتوح زمنياً حتى نهاية السنة المالية يجعل السياسة المالية الأميركية أكثر تعرضاً لمنطق الطوارئ. وفي اقتصاد عالمي يراقب مسار العجز وأسعار الفائدة والإنفاق الدفاعي، يصبح السؤال أقل حزبية وأكثر بنيوية: كم تستطيع واشنطن أن تمول من التزامات أمنية متزامنة من دون أن تضغط على أولويات أخرى أو توسع فجوة الإنفاق؟
باب المندب: اضطراب لا إغلاق
في البحر الأحمر، لا يحتاج الخطر إلى إغلاق كامل كي يصبح مكلفاً. في 20 يوليو 2026، أرسلت الجهة الحوثية المعروفة باسم مركز تنسيق العمليات الإنسانية رسالة إلى شركات الشحن تقول إن السفن ممنوعة من تحميل أو تفريغ البضائع في الموانئ السعودية، وإنها قد تُستهدف ضمن مدى عمليات ما تسميه «القوات المسلحة اليمنية» إذا خالفت الحظر. وفي اليوم التالي، غيّرت ناقلتان محملتان بالنفط السعودي إلى الصين والهند مسارهما في البحر الأحمر، متجهتين نحو قناة السويس بدلاً من باب المندب، في ما وصفته مجموعة «فانغارد» البريطانية لإدارة المخاطر البحرية بأنه أول تغيير مؤكد لمسار ناقلات تجارية بعد ذلك الحظر. ثم أفادت «رويترز» في 22 يوليو بأن خمس ناقلات غيّرت مسارها، مع إشارات من اثنتين إلى قناة السويس وجهة جديدة، استناداً إلى بيانات من LSEG وMarineTraffic وVanguard.
هذه الوقائع لا تعني أن باب المندب أُغلق أو أن جميع الناقلات غادرته. كما أن مركز المعلومات البحرية المشتركة قال إنه لم تسجل هجمات مؤكدة على السفن عبر البحر الأحمر خلال الساعات الثماني والأربعين السابقة لـ21 يوليو. غير أن السوق البحرية لا تنتظر دائماً وقوع الضربة كي تعيد تسعير المخاطر. يكفي أن تتراكم التهديدات والتحذيرات الرسمية وحركة السفن الفعلية كي تبدأ قرارات التحوط: تغيير مسار، تأجيل تحميل، رفع كلفة تأمين، أو اشتراط علاوات أعلى على الرحلات المعرضة للخطر.
وقد زادت قوة الاتحاد الأوروبي البحرية «أسبيدس» من ثقل هذا التقدير حين نصحت السفن المرتبطة بإسرائيل أو الولايات المتحدة أو السعودية بأنها أكثر عرضة لخطر الهجمات الحوثية، وبأن تتجنب الرحلات عبر البحر الأحمر وخليج عدن إلى أن ينخفض مستوى التهديد. مثل هذه النصائح لا تصنع الأزمة وحدها، لكنها تمنح مديري المخاطر في شركات الشحن والتجارة والطاقة غطاء مؤسسياً لاتخاذ قرارات أكثر تحفظاً.
الأهم أن الاضطراب الحالي يأتي فوق بيئة لم تتعافَ بالكامل من موجات سابقة من المخاطر في البحر الأحمر. فإدارة معلومات الطاقة الأميركية قدّرت أن تدفقات النفط عبر باب المندب بلغت في المتوسط 4.2 مليون برميل يومياً في النصف الأول من 2025، بعدما كانت 9.3 مليون برميل يومياً في 2023 و4.1 مليون برميل يومياً في 2024. في المقابل، ارتفعت التدفقات حول رأس الرجاء الصالح إلى 9.1 مليون برميل يومياً في النصف الأول من 2025، مقارنة بـ6.2 مليون برميل يومياً في 2023. معنى ذلك أن جزءاً من إعادة توجيه الطاقة العالمية سبق التهديدات الأخيرة، وأن الأزمة الراهنة تعمق مساراً قائماً أكثر مما تنشئه من الصفر.
أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد: صدمة مؤجلة أم كلفة ممتدة؟
توضح إدارة معلومات الطاقة أن تعطيل المرور النفطي عبر ممر بحري رئيسي، ولو مؤقتاً، يمكن أن يسبب تأخيرات في الإمدادات وارتفاعاً في تكاليف الشحن، وربما يرفع أسعار الطاقة العالمية، خصوصاً عندما تضيف البدائل زمناً كبيراً إلى الرحلات. غير أن هذا الاحتمال شيء، والقول إن صدمة نفطية عالمية مستدامة قد وقعت بالفعل شيء آخر. المتاح حتى الآن أقوى في إثبات ارتفاع كلفة المرونة منه في إثبات انهيار انتظام السوق.
وتظهر هذه الكلفة بوضوح في حسابات إعادة المسار. فقد قدّرت «رويترز» أن تحويل شحنات من نمط البحر الأحمر/السويس إلى المشترين الآسيويين قد يضيف نحو 10 آلاف ميل بحري، و34 يوماً من الإبحار، وأكثر من 5 ملايين دولار في تكاليف شحن إضافية، من دون احتساب الوقود أو التأمين، فضلاً عن نحو مليون دولار لكل سفينة في تكاليف عبور قناة السويس. هذه ليست مجرد أرقام تشغيلية؛ إنها تعني أن رأس المال العامل يبقى عالقاً مدة أطول في البحر، وأن الجداول الصناعية تتعرض لهوامش خطأ أوسع، وأن المستوردين في الاقتصادات المعتمدة على الطاقة المنقولة بحراً يواجهون تكلفة احتياط أكبر في المخزون والعقود.
في الطاقة تحديداً، لا يقتصر الأثر على سعر البرميل الفوري. المسألة تمتد إلى فروق الأسعار بين الخامات، وكلفة الناقلات، وتوافر السفن، وإعادة تموضع الأساطيل، وتسعير التأمين ضد مخاطر الحرب. حتى من دون قفزة نفطية مثبتة، يستطيع الخطر البحري أن يفرض «ضريبة احتراز» على التجارة: تُدفع في شكل رحلات أطول، وقود أكثر، عقود أكثر تعقيداً، وميل أكبر إلى بناء مخزونات أمان. وكلما طال أمد هذه الضريبة، تحولت من كلفة أزمة إلى عنصر دائم في تصميم سلاسل الإمداد.
لذلك، فإن تفاعل الكلفة العسكرية الأميركية مع اضطراب البحر الأحمر لا ينتج خطاً سببياً بسيطاً، بل شبكة ضغوط. من جهة، تحتاج واشنطن إلى تمويل عمليات واستعدادات وصيانة في ظل نزاع مكلف، وقد تضطر إلى طلب اعتمادات طارئة أو قبول مقايضات داخل ميزانية دفاعية ضخمة. ومن جهة أخرى، يعيد الفاعلون التجاريون تسعير المرور في واحد من أكثر الممرات حساسية لتجارة الطاقة بين الخليج وآسيا وأوروبا. وبين الجهتين، يصبح الأمن البحري جزءاً من السياسة المالية، وتصبح الميزانية الأميركية عاملاً في ثقة الأسواق بقدرة القوة البحرية على حماية تدفق التجارة.
ليست الأزمة محلية، لكنها ليست بعد انهياراً نظامياً. الرقم الأميركي البالغ 37.5 مليار دولار يعلن أن الحرب لها ثمن مالي متراكم وغير نهائي، والبحر الأحمر يذكّر بأن الممرات البحرية لا تحتاج إلى إغلاق شامل كي ترفع كلفة التجارة والطاقة. الأثر الأرجح، في هذه المرحلة، هو مزيج من ضغط على الاعتمادات الدفاعية الأميركية وكلفة أعلى للمرونة في الشحن والطاقة، مع بقاء الصدمة النفطية العالمية المستدامة احتمالاً لا نتيجة مثبتة. وفي ذلك تكمن خطورة اللحظة: الاقتصاد العالمي لا يدفع ثمن الانفجار وحده، بل يدفع أيضاً ثمن الاستعداد له.