Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
EXPLAINERS

اتفاق فريتاون لا يكفي: تمويل خط الغاز النيجيري-المغربي يبقى العقدة

المشروع ينتقل إلى هندسة مؤسسية أوضح عبر شركة في الدار البيضاء وسلطة في أبوجا، لكن رأس المال السيادي والميسر والضامن لم يتحول بعد إلى رزمة قابلة للإغلاق.

لم يكن توقيع رؤساء دول «إكواس» في فريتاون، كما ورد في بيان مشترك لـ«أونهايم» و«إن إن بي سي» نشر في 19 يوليو 2026 ونقلته «إيكوفين»، تفصيلاً بروتوكولياً في مسار خط الغاز النيجيري-المغربي، أو «خط الغاز الأفريقي الأطلسي». فقد أضاف الاتفاق الحكومي مظلة سياسية أرفع إلى مشروع تقدر كلفته المتداولة بنحو 25 مليار دولار، وتريد له الرباط وأبوجا أن يتحول من فكرة إقليمية كبرى إلى أصل بنيوي قابل للتمويل. غير أن القيمة المالية لهذا التقدم لا تقاس بعدد القمم ولا بصياغة العناوين، بل بقدرته على تحويل المخاطر العابرة للحدود إلى التزامات قابلة للتسعير، وعقود قابلة للرهن، وضمانات تقبلها المصارف ومؤسسات التنمية وشركات التأمين السياسي.

المفارقة أن المشروع تقدم سياسياً في اللحظة نفسها التي ازدادت فيها صعوبة تمويل بنى تحتية أحفورية خضراء الحقل. فحيث كانت خطوط الغاز الكبرى تُبنى تاريخياً على تحالف بين دول العبور، ومشترين موثوقين، ومصارف تجارية دولية، باتت اليوم محكومة بسقف من سياسات المناخ، ومعايير الحوكمة البيئية والاجتماعية، وتردد مؤسسات غربية كثيرة في حمل مخاطر طويلة الأجل في أصول غازية جديدة. لذلك يصبح السؤال الحقيقي أقل ارتباطاً بما إذا كان الخط مرغوباً سياسياً، وأكثر اتصالاً بكيفية تحويل الرغبة إلى هيكل رأسمالي متعدد الطبقات: أسهم رعاة، ديون ميسرة، ضمانات سيادية، تأمين ضد المخاطر السياسية، وربما أدوات تمويل إسلامي أو رأس مال سيادي من خارج الدائرة المصرفية الغربية التقليدية.

من الاتفاق السياسي إلى وعاء التمويل

المسار المؤسسي بدأ يكتسب شكلاً أوضح قبل قمة فريتاون. ففي نوفمبر 2024، أعلنت «إكواس» أن وزراء الطاقة والهيدروكربونات، في اجتماع موسع شمل المغرب وموريتانيا، اعتمدوا النسخ التي راجعها الخبراء من الاتفاق الحكومي واتفاق دولة الاستضافة، كما اعتمدوا الاسم الموحد للمشروع: «خط الغاز الأفريقي الأطلسي». في ذلك الوقت، قدرت المنظمة الكلفة بنحو 26 مليار دولار، وتحدثت عن شبكة بطول 6800 كيلومتر، منها 5100 كيلومتر بحرية من نيجيريا إلى المغرب، مروراً بدول الساحل الأطلسي في غرب أفريقيا وموريتانيا، مع صلات بالدول غير الساحلية مثل بوركينا فاسو ومالي والنيجر.

الجديد في 2026 ليس وجود النصوص الأولى، بل رفعها إلى مستوى الرؤساء داخل «إكواس». إلا أن هذا التطور يظل جزئياً من زاوية التمويل؛ إذ أفادت «إيكوفين» بأن اتفاق يوليو لم يشمل المغرب وموريتانيا لأنهما ليستا عضوين في المنظمة. وهذا يعني أن المظلة السياسية لا تغطي وحدها كامل الممر، ولا تكفي بذاتها لإنتاج ضمانات سيادية قابلة للاستخدام المصرفي على امتداد الخط. فالتمويل لا يكتفي بإعلان دعم، بل يحتاج إلى معرفة من يضمن ماذا، وبأي قانون، وعلى أي إيرادات، وفي مواجهة أي حدث سياسي أو تنظيمي أو تعثري.

هنا تبرز أهمية البنية التي جرى الحديث عنها بعد فريتاون: إنشاء شركة مشروع مقرها الدار البيضاء، ثم سلطة عليا للخط مقرها أبوجا، على أن تتولى المؤسستان تنسيق تعبئة المستثمرين والتحضير لقرار الاستثمار النهائي. هذه ليست مجرد هندسة إدارية؛ إنها محاولة لفصل المشروع عن ميزانيات الرعاة المباشرة، ووضعه في وعاء يمكن أن يستقبل الأسهم والديون والضمانات ويبرم عقود النقل والتعرفة والشراء. وفي المشاريع العابرة للحدود، يصبح وجود شركة مشروع ذات حوكمة واضحة شرطاً أولياً قبل أن يبدأ المقرضون في نقاش نسبة الدين إلى رأس المال أو آجال السداد أو شروط السحب.

السياسة تفتح الباب، لكنها لا تسدد الفواتير.

«أونهايم» الجديدة ورأس المال المرحلي

أعادت الرباط في يونيو 2026 تشكيل «أونهايم» بتحويلها إلى شركة مساهمة مملوكة بالكامل للدولة، وفق ما نقلته «إيكوفين» عن الجريدة الرسمية المغربية. والأهمية التمويلية لهذا التحول تكمن في أن «أونهايم-إس إيه» باتت قادرة على إنشاء شركات تابعة، والوصول إلى أدوات مالية لم تكن متاحة سابقاً، بما في ذلك رأس المال المخاطر، والاقتراض المهيكل، وتعبئة رأس المال، والعمل دولياً للمرة الأولى. وهذه صلاحيات قريبة من لغة تمويل المشاريع، لا من منطق الوكالات الإدارية التقليدية.

لكن الربط بين إصلاح «أونهايم» وخط الغاز يجب أن يبقى مضبوطاً. فقد قالت وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة ليلى بنعلي إن التحول «يطلق رسمياً الإصلاح الأوسع للقطاع العام»، مضيفة أنه لا يشكل خصخصة. وفي الوقت نفسه، أفادت «إيكوفين» بأن الإصلاح مرتبط مباشرة بخط الغاز الأفريقي الأطلسي، وأن المشروع يتطلب إنشاء شركة مخصصة بالاشتراك مع «إن إن بي سي» المحدودة. بهذا المعنى، لا تبدو «أونهايم» الجديدة أداة للخط وحده، لكنها توفر له راعياً مغربياً أكثر مرونة في التعاقد والتمويل.

الأهم أن المشروع لا يُطرح، وفق المؤشرات المتاحة، كحاجة تمويلية واحدة تدفع دفعة واحدة. فقد نقلت «إيكوفين» أن المسار سيقسم إلى ثلاثة أقسام لتسهيل اللوجستيات والتمويل، وأن مصدراً في «أونهايم» قال إن جمع الأموال سيكون من اختصاص شركة المشروع لا «أونهايم» مباشرة، بينما لم تكن قيمة أول عملية جمع أموال ولا هيكلها ولا توقيتها قد تحددت. هذه النقطة جوهرية: الـ25 مليار دولار ليست بالضرورة شيكاً واحداً مطلوباً قبل الانطلاق، بل سقفاً رأسمالياً لمشروع يمكن أن يتقدم بمراحل، بحيث تمول كل حزمة وفق جاهزيتها الفنية والتعاقدية والسيادية.

تقسيم المشروع إلى مراحل لا يخفض المخاطر تلقائياً، لكنه يجعلها قابلة للتجزئة. فالمرحلة الأولى يمكن أن تجذب مزيجاً من أسهم الرعاة، وقروض تنموية أو شبه تجارية، وضمانات جزئية للمخاطر السياسية، بينما تنتظر المراحل اللاحقة إثبات الطلب، وتثبيت التعرفة، وإبرام ترتيبات النقل أو الشراء. أما إذا بقي المشروع كتلة واحدة غامضة، فسيرتفع هامش المخاطر إلى حد قد يجعل الكلفة الرأسمالية خانقة.

رزمة تمويل بلا قائد واضح بعد

لكي يصبح المشروع قابلاً للإغلاق المالي، يحتاج الوعاء المشترك بين «إن إن بي سي» و«أونهايم» إلى رزمة لا تشبه القروض التقليدية وحدها. طبقة الأسهم قد تأتي أولاً من الرعاة والدول المعنية أو شركاتها، لا لأنها الأرخص، بل لأنها تمنح المقرضين دليلاً على تقاسم المخاطر. يلي ذلك دين طويل الأجل من مؤسسات تنمية أفريقية أو دولية، وأدوات ميسرة تخفض كلفة رأس المال، وضمانات سيادية أو شبه سيادية تغطي مخاطر عدم الدفع أو تغير السياسات أو تعطل حقوق العبور. وتبقى التأمينات ضد المخاطر السياسية حاسمة، لأن المشروع يتوزع على ممر متعدد الولايات القضائية، وما يهم المقرض ليس فقط صلاحية الأنبوب بل صلاحية العقود التي تحكمه.

توجد في النظرية ممرات تمويلية متعددة: أبوجا والرباط كرعاة سياسيين ومساهمين محتملين، عواصم خليجية وصناديق سيادية أو كيانات مرتبطة بالدولة إذا رأت في المشروع أصلاً استراتيجياً، أدوات تمويل إسلامي تلائم أصول البنية التحتية طويلة الأجل، ومؤسسات متعددة الأطراف قادرة على تقديم الدين أو الضمان لا رأس المال وحده. غير أن أياً من هذه القنوات لا يتحول إلى التزام لمجرد أنه منطقي. وقد أفادت «إيكوفين» بعد توقيع فريتاون بأن المشروع، رغم الجهود لجذب مستثمرين دوليين، لا يزال يفتقر إلى التزامات تمويلية صلبة.

تزيد سياسات المناخ المسألة تعقيداً. فسياسة قطاع الطاقة لدى مجموعة البنك الأفريقي للتنمية تشمل، ضمن عملياتها، الطاقة المتجددة والوقود الأحفوري بما فيه الفحم والنفط والغاز، إلى جانب النقل والتوزيع والتعاون الإقليمي وكفاءة الطاقة، لكنها تربط ذلك بمسار تدريجي نحو نمو منخفض الكربون ومستدام. أما خطة مجموعة البنك الدولي للعمل المناخي 2021-2025 فتدور حول التنمية الخضراء والقادرة على الصمود والشاملة، ومواءمة المناخ والتنمية، واتساق التمويل مع باريس، وتعبئة رأس المال الخاص والتمويل الميسر. لذلك قد لا يكون الغاز مستبعداً دائماً من كل نوافذ التمويل التنموي، لكنه يدخلها محاطاً بشروط أشد: إثبات أثر تنموي، وخفض حرق الغاز أو تحسين أمن الطاقة، وربما تخصيص جزء معتبر للأسواق الإقليمية لا للتصدير وحده.

وهنا يصبح حجم المشروع ووظيفته الاقتصادية جزءاً من معادلة التمويل. فوفق «إيكوفين»، يتوقع أن يمتد الخط نحو 6900 كيلومتر، وأن ينقل ما يصل إلى 30 مليار متر مكعب سنوياً من الغاز، يخصص نصفها للأسواق الإقليمية، مع ربط شبكة غاز غرب أفريقيا بخط المغرب العربي-أوروبا. هذه السردية تساعد في تقديم المشروع كبنية تكامل إقليمي وأمن طاقة، لا مجرد خط تصدير. لكنها لا تغني عن عقود إيراد واضحة: من يدفع مقابل السعة، وبأي عملة، وعلى أي مدة، وتحت أي حماية إذا تغيرت الحكومات أو التعرفة أو قواعد العبور.

كانت «إن إن بي سي» قد أبلغت اجتماع «إكواس» في 2024 بأن المرحلة الثانية من الدراسات الهندسية الأمامية اكتملت، بينما كانت مسوحات الأثر البيئي والاجتماعي وإطار سياسة حيازة الأراضي وإعادة التوطين قيد التنفيذ. وهذه عناصر ضرورية قبل قرار الاستثمار النهائي، لكنها ليست بديلاً عن رأس المال. فالمقرضون سيبحثون عن نضج فني وبيئي، كما سيبحثون عن عقود نقل، ومنهجية تعرفة، وضمانات دولة الاستضافة، وترتيبات حل النزاعات، وتغطية سياسية قابلة للتفعيل.

في المحصلة، حسّن اتفاق فريتاون وإصلاح «أونهايم» قابلية المشروع للعرض على المستثمرين، لا قابليته النهائية للتمويل. لقد انتقل خط الغاز النيجيري-المغربي من مرحلة الدبلوماسية الواسعة إلى مرحلة هندسة الميزانية: من يضع رأس المال الأول، من يضمن الديون، من يتحمل مخاطر العبور، ومن يشتري أو يحجز السعة. وإذا نجحت شركة المشروع في تحويل الدعم السيادي إلى وثائق ملزمة، وتقسيم الـ25 مليار دولار إلى مراحل قابلة للتمويل، ومواءمة الغاز مع قيود المناخ والحوكمة، فقد يصبح قرار الاستثمار النهائي ممكناً. أما إذا بقيت السياسة متقدمة على العقود، فسيظل المشروع كبيراً بما يكفي لإغراء العواصم، وثقيلاً بما يكفي لإرباك المستثمرين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى