Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
EXPLAINERS

هدنة واشنطن وطهران تتداعى: الإقليم يفاوض بلا هندسة جامعة

تتحرك قطر وباكستان وعُمان ومصر بين قنوات التهدئة ولبنان وغزة، لكن تعدد الوساطات لم يتحول بعد إلى نظام إقليمي قادر على ضبط الوكلاء وتقليص الدور الأميركي.

في لحظة بدا فيها أن إطار التهدئة الأميركي-الإيراني يتآكل تحت ضغط الوقائع، عادت الوساطة الإقليمية لتملأ الفراغ لا بوصفها بديلاً جاهزاً من الدبلوماسية التي قادتها واشنطن طويلاً، بل كشبكة إسعاف سياسي تحاول منع الانفجار من أن يتحول إلى قاعدة. ففي 21 يوليو، أفادت «أكسيوس» بأن قطر ومصر وباكستان ووسطاء إقليميين آخرين قدموا إلى الولايات المتحدة وإيران مقترحاً لهدنة من عشرة أيام، هدفه وقف القتال، وإعادة فتح مسارات الملاحة عبر مضيق هرمز، ومنح واشنطن وطهران فرصة لإنقاذ مذكرة التفاهم الآخذة في الانهيار.

تكمن أهمية هذا التحرك في ازدواجيته. فالولايات المتحدة، وفق التقرير نفسه، كانت تدرس المقترح وتحث إسرائيل على تجنب خطوات تغلق النافذة الدبلوماسية، لكنها في الوقت ذاته كانت تستعد لاحتمال فشل المحادثات بإرسال مقاتلات وطائرات تزويد بالوقود إلى المنطقة. هذه ليست صورة انسحاب أميركي من إدارة أزمات الشرق الأوسط، ولا عودة صافية إلى احتكار واشنطن للوساطة. إنها بالأحرى مشهد انتقال غير مكتمل: قوى إقليمية توسع هامشها، ودور أميركي لا يزال ثقيلاً، ونزاعات مترابطة من الخليج إلى لبنان وغزة تمنع تحويل الوساطة إلى معمار أمني مستقر.

من مذكرة التفاهم إلى سياسة حافة الهاوية

بدأ المسار الذي صار اليوم موضع اختبار بمذكرة تفاهم أميركية-إيرانية وُقعت في 17 يونيو، بعد شهرين من تعثر المحادثات، وفق «إيه بي سي نيوز». وقد وصفت الشبكة المذكرة بأنها وثيقة من 14 بنداً رسمت إطاراً لوقف النار، وأنهت الحصار البحري الأميركي، وأعادت فتح مضيق هرمز، وفتحت نافذة تفاوضية من 60 يوماً نحو اتفاق دائم. كما أفادت «الجزيرة» بأن قطر وباكستان أدتا دوراً في بلورة المذكرة، وأنها تضمنت وقفاً للنار وإطاراً لمعالجة الحرب والبرنامج النووي الإيراني.

لكن الوثيقة التي بدت في لحظة ما مدخلاً إلى تهدئة مركبة سرعان ما اصطدمت بسؤال التنفيذ. ففي 25 يونيو، بحسب «إيه بي سي نيوز»، شنت إيران هجوماً بطائرة مسيرة على سفينة في مضيق هرمز، واعتبرت واشنطن ذلك خرقاً لوقف النار، قبل أن تتوالى ضربات أميركية وهجمات إيرانية على البحرين والكويت تم اعتراضها أميركياً، ثم حادثة في 7 يوليو استهدفت فيها إيران ثلاث سفن. بعد ذلك بيوم، قال الرئيس دونالد ترامب على هامش قمة لحلف شمال الأطلسي إن اتفاق وقف النار مع إيران «انتهى»، ثم زادت الولايات المتحدة ضرباتها، وفق ما نقلته الشبكة عن القيادة المركزية الأميركية.

مع ذلك، لا تختزل هذه الوقائع المشهد في انهيار كامل للدبلوماسية. ففي الأول من يوليو، قال نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي بعد محادثات تقنية غير مباشرة في قطر إن طهران ستنشئ «قناة اتصال» مع واشنطن للإبلاغ عن خروق مذكرة التفاهم. وفي اليوم نفسه، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية ماجد الأنصاري إن وسطاء من قطر وباكستان عقدوا اجتماعات منفصلة في الدوحة مع مفاوضين أميركيين وإيرانيين، وتحدث عن «تقدم إيجابي» واتفاق على مواصلة النقاشات. كذلك التقى أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في الدوحة المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، مؤكداً استمرار الوساطة القطرية، إلى جانب باكستان، لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط.

المفارقة أن قنوات التهدئة واصلت العمل فيما كانت قواعد الاشتباك تتبدل ميدانياً. وقد لخص تقييم «أكليد» جوهر الأزمة حين اعتبر أن مذكرة 17 يونيو لم تنقل الصراع بالكامل من الحرب إلى الدبلوماسية، لأن مضيق هرمز تحول إلى بؤرة نزاع على التنفيذ. في هذا المعنى، كان الخلاف حول المضيق أكثر من مسألة تقنية؛ كان اختباراً لمن يملك سلطة تحديد الالتزام ومن يملك حق الرد. وقد عبّر رئيس البرلمان الإيراني محمد قاليباف عن هذا المنطق حين كتب أن «هرمز لن يفتح إلا بترتيبات إيرانية، لا بتهديدات أميركية». في المقابل، قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن «هذا الشريان يجب أن يبقى مفتوحاً»، مضيفاً أن محاولة إغلاقه ستستدعي رداً من الجيش الأميركي.

المشكلة أن الوساطة الإقليمية تملك منفذاً إلى الأطراف، لكنها لا تملك احتكار قرار التصعيد.

استقلالية خليجية تكتيكية لا كتلة واحدة

تكشف التحركات الأخيرة عن درجة متزايدة من استقلالية الفعل الدبلوماسي لدى عواصم خليجية وإقليمية، لكنها تكشف أيضاً حدود هذه الاستقلالية. قطر تؤدي دور المنصة السياسية والوسيط المرن بين واشنطن وطهران. عُمان تتحرك في مساحة خفض الاحتكاك التقني، إذ أفاد «أكليد» بأنها عملت مع المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة على طرح مسار جنوبي بديل قرب الساحل العماني لتسهيل إجلاء آمن للبحارة والسفن العالقة، قبل أن ترفض إيران المسار وتصر على أن المرور الآمن يتطلب التنسيق مع سلطاتها. وباكستان تجمع بين القناة السياسية والصلات الأمنية، بينما دخلت مصر على خط مقترحات وقف النار الأحدث.

في 11 يوليو، انتهت محادثات مسقط بين عُمان وإيران وقطر من دون اتفاق، بحسب «أكسيوس»، بعدما طلبت الولايات المتحدة من طهران إعلان التزامها العلني بإبقاء مضيق هرمز مفتوحاً. ثم وقعت هجمات إيرانية على سفن تجارية أعقبها تصعيد أميركي. هذه الواقعة تكشف تحديداً الفارق بين الوساطة والضمان. تستطيع دولة وسيطة أن تنقل صيغة، وأن تستضيف لقاء، وأن تضيق هامش سوء الفهم؛ لكنها لا تستطيع، بمجرد ذلك، إلزام طرف يرى في الغموض جزءاً من ردعه أو في التصعيد ورقة تفاوض.

الأسماء التي أوردتها «أكسيوس» في مسار الوساطة تعطي صورة عن اتساع الشبكة: رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، والمبعوث القطري علي الثوادي، وقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ووزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ووزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي. هذا التنوع مهم لأنه ينفي فكرة الفراغ المطلق، لكنه لا يصنع تلقائياً بنية إقليمية موحدة. فدول الخليج والقوى الإقليمية لا تتحرك بوصفها كتلة واحدة ذات تصور متطابق للأمن والنفوذ، بل كدول تسعى إلى حماية مصالحها، وتخفيض كلفة التصعيد، وامتلاك أوراق تفاوض مستقلة داخل نظام لا تزال واشنطن لاعباً مركزياً فيه.

لذلك، تبدو الاستقلالية هنا أقرب إلى استقلالية تكتيكية منها إلى سيادة دبلوماسية مكتملة. فهي تمنح العواصم الإقليمية قدرة أكبر على المبادرة، لكنها لا تلغي الحاجة إلى موافقة أميركية أو انخراط إيراني مباشر أو ضبط إسرائيلي لحسابات القوة. كما أنها لا تنشئ، حتى الآن، مؤسسة إقليمية ملزمة أو آلية مراقبة قادرة على تحويل الهدن القصيرة إلى تسويات دائمة.

لبنان وغزة: حدود الربط بين الساحات

لا يمكن فهم مأزق ما بعد مذكرة التفاهم من خلال الخليج وحده. فقد سجل «أكليد» أن الولايات المتحدة وإيران وقعتا مذكرة 17 يونيو التي فتحت نافذة تفاوضية من 60 يوماً، وأن إسرائيل و«حزب الله» وافقا في 19 يونيو على وقف لإطلاق النار بوساطة الولايات المتحدة وقطر وإيران. كما كتب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن البند الأول من مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية شمل لبنان ضمن إطار وقف النار، والتزم احترام سيادته ووحدة أراضيه، مشيراً إلى أن لبنان برز قضية رئيسية في النقاشات التي جرت في لوسيرن.

هذا الربط بين الساحات يمنح الدبلوماسية الإقليمية طموحاً أوسع، لكنه يزيد هشاشتها. فالمركز نفسه أشار إلى أن محادثات سويسرا بحثت إنشاء «خلية خفض تصعيد» تضم الولايات المتحدة وإيران ولبنان للإشراف على وقف العمليات العسكرية، لكنه لاحظ أن إسرائيل لم تكن جزءاً منها. وهذه ثغرة بنيوية لا إجرائية فقط؛ إذ يصعب تثبيت وقف نار في جبهة تكون إحدى قواها العسكرية الرئيسية خارج آلية الإشراف أو الالتزام.

وتزداد القيود وضوحاً في لبنان. فقد حدد مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ثلاث عقد أساسية: الوجود العسكري الإسرائيلي في أجزاء من جنوب لبنان، ونظرة «حزب الله» إلى العمل العسكري ضد القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية باعتباره جزءاً من مهمته، والغموض الأميركي بين دعم وقف النار وقبول حق إسرائيل في ضرب تهديدات وشيكة. هذه العناصر لا تعني أن الدبلوماسية محكومة بالفشل، لكنها تجعل أي إطار تهدئة معرضاً للتآكل إذا ظل معلقاً بين سيادة الدولة اللبنانية، وحسابات إسرائيل الأمنية، ودور إيران، ومنطق السلاح غير الدولتي.

أما غزة فتقدم قيداً آخر على بناء هندسة إقليمية مستقلة. فبحسب تقييم «أكليد»، تركت محادثات وقف النار في مصر خلال يونيو قضايا كبرى بلا حل، بينها نزع سلاح «حماس»، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وترتيبات الحكم والأمن بعد الحرب، مع استمرار مواقف غير متوافقة بين الجانبين. وطالما بقيت هذه المسائل مفتوحة، ستظل أي وساطة في الخليج أو لبنان معرضة لضغط سياسي وعسكري من ساحة ثالثة لم تستقر قواعد نهايتها.

صحيح أن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية رأى أن السعودية وتركيا وقطر ومصر وباكستان أصبحت أطرافاً نشطة في دبلوماسية ما بعد الحرب، كوسطاء أو مسهلين أو محاورين، وأنها تشترك عموماً في مصلحة استقرار المشرق وسيادة لبنان. غير أن الاشتراك في مصلحة عامة لا يكفي لإنتاج نظام إقليمي جديد. فالنظام يحتاج إلى قواعد قبول، وآليات مراقبة، وقدرة على إدخال الفاعلين المسلحين في ترتيبات قابلة للتنفيذ، أو تحييد قدرتهم على نسفها.

في المحصلة، لا يشير المشهد الراهن إلى انتقال كامل من إدارة غربية للصراعات إلى هندسة شرق أوسطية مستقلة، ولا إلى بقاء المنطقة أسيرة النموذج القديم كما كان. الأدق أن الشرق الأوسط يعيش مرحلة إعادة تفاوض على من يملك حق الوساطة ومن يملك حق الضمان. قطر وعُمان ومصر وباكستان، ومعها قوى مثل السعودية وتركيا، تتحرك لتوسيع مجال المناورة الإقليمي، بينما تحتفظ الولايات المتحدة بأدوات ضغط وتنسيق لا يمكن تجاهلها، وتبقى إيران وإسرائيل والفاعلون المسلحون قادرين على تعطيل المسارات غير الملزمة.

إذا تحولت قنوات الاتصال والهدن القصيرة وخلايا خفض التصعيد إلى ترتيبات رسمية تشمل الأطراف الأساسية وتفصل بين الساحات الساخنة بقدر كافٍ، يمكن أن تظهر ملامح معمار إقليمي أكثر استقلالاً. أما إذا بقيت الوساطة سلسلة مبادرات منفصلة، تتعثر عند كل اختبار في هرمز أو جنوب لبنان أو غزة، فستكون النتيجة فراغاً مداراً لا نظاماً جديداً: دبلوماسية نشطة فوق أرضية من المنافسة بالوكالة، وتهدئات قصيرة تمنع الحرب الشاملة من دون أن تؤسس سلاماً قابلاً للاستمرار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى