زيادة أوبك+ في أغسطس: حصة أكبر وبراميل أقل
قرار رفع الإنتاج للمرة الخامسة يكشف تداخلاً بين إنهاء التخفيضات الطوعية ومحاولة حماية الموقع في السوق، بينما لا تزال تدفقات الخليج دون مستويات ما قبل الحرب.
في الخامس من يوليو، اختارت سبع دول في أوبك+ أن تضيف إلى سقف إنتاجها في أغسطس 188 ألف برميل يومياً. القرار جاء في اجتماع افتراضي قالت أوبك+ إنه عُقد من أجل «مراجعة أوضاع السوق العالمية وآفاقها»، وشمل السعودية وروسيا والعراق والكويت وكازاخستان والجزائر وعُمان. في الظاهر، تبدو الزيادة استمراراً لمسار واضح: زيادة خامسة على التوالي خلال خمسة أشهر، ضمن إنهاء تدريجي لتخفيضات إنتاج طوعية أُعلنت في 2023.
غير أن قراءة القرار من زاوية الحصص وحدها تضلل أكثر مما تشرح. فالسقف المسموح به للإنتاج لا يتحول تلقائياً إلى نفط محمّل على ناقلة، ولا إلى خام يصل إلى مصفاة في موعده. بين قرار أوبك+ والبرميل الذي يشتريه المستهلك النهائي تقف حقول تحتاج إلى تشغيل، وموانئ تحميل، وممرات بحرية، وتأمين، وناقلات، ومخزونات، وزمن شحن. لذلك جاءت زيادة أغسطس في لحظة تختبر فيها السوق الفرق بين إعلان سياسي منظم داخل أوبك+ وبين القدرة الفعلية على ضخ النفط وتصديره عبر الخليج بعد الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران.
الفارق بين الحصة والبرميل هنا هو جوهر القرار، لا تفصيله الفني.
زيادة من أي طبقة من التخفيضات؟
لفهم معنى رقم أغسطس، ينبغي وضعه داخل هيكل التخفيضات المتراكم في أوبك+. فهناك إطار أوسع للأهداف يظهر في جداول وكالة الطاقة الدولية تحت عنوان «أوبك+ 18 في اتفاق نوفمبر 2022». وفوق هذا الإطار جاءت تخفيضات إضافية في أبريل 2023، ثم تخفيضات أخرى في نوفمبر 2023، بحسب الخلفية التي أوردتها الجزيرة وجداول وكالة الطاقة الدولية. الزيادة الأخيرة لا تعني تفكيك كل هذا البناء دفعة واحدة، بل تمثل جزءاً من إنهاء تدريجي لتعديلات إنتاج طوعية محددة.
الصياغة الرسمية مهمة هنا لأنها لا تعرض القرار كاندفاعة غير مشروطة نحو السوق. فقد قالت أوبك+ إن الدول ستواصل مراقبة أوضاع السوق وتقييمها عن كثب، وإنها «أعادت تأكيد أهمية اتباع نهج حذر والاحتفاظ بمرونة كاملة لزيادة إنهاء تعديلات الإنتاج الطوعية أو وقفه أو عكسه». كما قال الأعضاء إنهم سيجتمعون مجدداً في 2 أغسطس لمراجعة الوضع. هذه اللغة تجمع بين رسالتين: المجموعة تريد أن تستعيد تدريجياً جزءاً من طاقتها الإنتاجية المقيّدة، لكنها تريد أيضاً أن تحتفظ بحق التراجع إذا أصبحت السوق أو طرق التصدير أقل استقراراً مما تسمح به الحصص الجديدة.
لذلك لا يصح اختزال الزيادة في تفسير واحد. فهي تحمل قدراً من الثقة بأن جزءاً من التدفقات عاد، لكنها لا تعني أن أوبك+ ترى أن كل القيود اللوجستية زالت. وتحمل أيضاً بعداً سوقياً واضحاً، لأن استمرار رفع الحصص بعد تراجع الأسعار يذكّر بأن المنتجين لا يريدون ترك مساحة دائمة لمنافسين خارج المجموعة. إلا أن البيان الرسمي لم يقدمها كمعركة مباشرة على الحصة السوقية، بل كمسار قابل للتعديل وفق المراجعة الشهرية.
هرمز يتحسن ولا يعود إلى طبيعته
تمنح بيانات التدفقات صورة أكثر تعقيداً من صورة البيان. فقد قدرت وكالة الطاقة الدولية أن إمدادات النفط العالمية ارتدت في يونيو بمقدار 4.1 مليون برميل يومياً، لتصل إلى 98.8 مليون برميل يومياً. وربطت الوكالة هذا التعافي باستئناف التدفقات عبر مضيق هرمز وعودة جزئية في إنتاج الخليج. لكن الإنتاج العالمي بقي، وفق التقدير نفسه، أقل بـ9.4 مليون برميل يومياً من مستويات ما قبل الحرب.
وتظهر الفجوة أوضح في صادرات الخليج. فقد قالت وكالة الطاقة الدولية إن إجمالي صادرات النفط من الخليج، بما في ذلك الكميات التي تتجاوز مضيق هرمز، قفز في يونيو بمقدار 6.5 مليون برميل يومياً إلى 16.1 مليون برميل يومياً. ومع ذلك ظل الرقم دون متوسط 24 مليون برميل يومياً قبل بدء الحرب. بمعنى آخر، التعافي كان سريعاً ومهماً، لكنه لم يعد بالسوق إلى وضعها السابق.
كما قالت الوكالة إن إنتاج الخليج ارتفع في يونيو بمقدار 3.5 مليون برميل يومياً، لكنه ظل أقل بـ11.4 مليون برميل يومياً من مستويات ما قبل الحرب. وفي جانب المنتجات النفطية، بقيت صادرات الخليج من المنتجات المكررة وغاز البترول المسال دون نصف مستويات ما قبل الحرب، بينما بلغت تدفقات الخام قرابة ثلاثة أرباع معدلات فبراير. ولفتت الوكالة أيضاً إلى أن عمليات التحميل من مصافي التصدير الرئيسية في الخليج لم تكن قد استؤنفت بعد.
حركة مضيق هرمز نفسها تؤكد أن المسار لم يستعد إيقاعه الكامل. فقد أظهرت بيانات MarineTraffic تسجيل 38 عبوراً مؤكداً في 2 يوليو و48 عبوراً في 1 يوليو، مقارنة بنحو 130 عبوراً يومياً قبل الحرب. وذكرت الجزيرة أن حركة المرور زادت منذ مذكرة التفاهم الموقعة في 17 يونيو لإنهاء الحرب، لكنها بقيت أقل بكثير من مستويات ما قبل النزاع.
هذه الأرقام تسمح بقراءة مزدوجة. هناك ما يكفي من التحسن كي تشعر أوبك+ بأن زيادة محدودة في الحصة لا تبدو منفصلة تماماً عن الواقع. وفي الوقت نفسه، هناك ما يكفي من القيود كي تصبح الزيادة على الورق أكبر من أثرها الفوري في السوق الفعلية.
الفجوة بين السقف والإنتاج
أوضح قياس للفجوة لا يأتي من رقم زيادة أغسطس نفسه، بل من مقارنة أحدث بيانات الإنتاج المتاحة بأهداف الدول المعنية. فقد قدرت وكالة الطاقة الدولية أن إنتاج يونيو لدى الأعضاء السبعة المشمولين بلغ نحو 23.25 مليون برميل يومياً. أما أهدافهم الضمنية فبلغت قرابة 30.45 مليون برميل يومياً. بذلك يظهر عجز صافٍ بنحو 7.2 مليون برميل يومياً قبل إضافة حصة أغسطس.
هذا الرقم يضع زيادة 188 ألف برميل يومياً في حجمها الحقيقي. فهي زيادة في السقف، لكنها تقع فوق فجوة قائمة أكبر بكثير بين ما تسمح به الحصص وما ينتجه الأعضاء فعلياً. ولا يعني ذلك أن الزيادة بلا أثر؛ فهي تعطي المنتجين مساحة قانونية داخل نظام أوبك+ إذا استطاعوا ضخ المزيد. لكنها لا تضمن وصول براميل إضافية بالقدر نفسه إلى المشترين في الأجل القصير.
تتركز الفجوات، وفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية لإنتاج يونيو، في عدد من الأعضاء الكبار. كانت السعودية أقل من هدفها الضمني بنحو 2.95 مليون برميل يومياً. وكان العراق أقل بنحو 2.39 مليون برميل يومياً، والكويت أقل بنحو 1.26 مليون برميل يومياً. أما روسيا فكانت الفجوة لديها نحو 0.91 مليون برميل يومياً. في المقابل، كانت كازاخستان وعُمان أعلى قليلاً من الهدف.
من هنا جاءت تعليقات المحللين أكثر حدة من لغة البيان الرسمي. فابيان يب، محلل الأسواق في IG، وصف زيادات إنتاج أوبك+ الأخيرة بأنها إلى حد كبير «إجراء على الورق»، لأن البراميل الفعلية كانت مقيدة منذ أشهر بفعل إغلاق مضيق هرمز وكانت أقل من الحصص. وقال نيل كروسبي، محلل سوق النفط في Sparta Commodities، إن حصص أوبك ينبغي أن تُفهم على أنها «عديمة المعنى عملياً» في الأجل القصير إلى أن تُحل مشكلة هرمز على نحو مستدام.
هذه الآراء لا تلغي أثر القرار داخل أوبك+، لكنها تحدد حدوده. فالحصة تؤثر في سلوك المنتجين وفي رسائلهم إلى السوق، وقد تغيّر توقعات المشترين والمتعاملين. أما المعروض الفعلي فيقاس بإنتاج الحقول، وبالكميات المحملة، وبما يعبر الممرات البحرية، وبما يصل في النهاية إلى المصافي. أحدث بيانات قابلة للمقارنة تخص يونيو، بينما ينطبق القرار على أغسطس؛ لذلك تبدو الفجوة الحالية مؤشراً إلى القيود التي ترافق القرار أكثر من كونها حساباً نهائياً لما سيصل في أغسطس.
في المحصلة، لا تقول زيادة أغسطس إن طرق التصدير من الخليج عادت بالكامل، ولا تثبت وحدها أن أوبك+ اختارت خوض معركة حصة سوقية مهما كان الثمن. القرار يقع بين الأمرين: إنهاء محسوب لجزء من التخفيضات الطوعية، ورسالة بأن المنتجين يريدون استعادة مساحة إنتاجية عندما تسمح الظروف، مع اعتراف ضمني بأن المسار قابل للتوقف أو العكس. أما حجم الفجوة بين الورق والسوق، فتظهره المقارنة القاسية بين زيادة قدرها 188 ألف برميل يومياً وعجز فعلي عند الأعضاء السبعة قُدر في يونيو بنحو 7.2 مليون برميل يومياً. لذلك ستكون أهمية القرار في المدى القريب أقل في عدد البراميل المعلنة، وأكثر في سرعة تحول التحسن الجزئي في الخليج إلى تدفقات منتظمة تصل إلى المشترين.