Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
EXPLAINERS

باب المندب يختبر ممر ينبع وكلفة نفط آسيا

قدرة السعودية على إبقاء الخام متدفقاً عبر البحر الأحمر ستتوقف على طاقة خط شرق-غرب، وانتقائية الخطر الحوثي، واستعداد السفن وشركات التأمين لتحمل رحلة باتت أعلى كلفة وأشد غموضاً.

لم يعد ممر ينبع على البحر الأحمر مجرد طريق بديل في خرائط تصدير النفط السعودية. بعد إعلان الحوثيين في 20 يوليو 2026 ما وصفوه بحظر بحري على السعودية، صار هذا الممر جزءاً من معادلة أوسع: اضطراب عند هرمز يدفع الصادرات بعيداً عن الخليج، وضغط عند باب المندب يهدد الطريق الذي يُفترض أن يخفف ذلك الاضطراب.

قالت القوات الحوثية، وفق ما نقلته رويترز، إن الحظر يستهدف «العدو السعودي المجرم» ويدخل حيز التنفيذ فوراً، مستندة إلى معادلة «العين بالعين». ورد التحالف الذي تقوده السعودية بالقول إنه بدأ إجراءات لحماية السفن المارة عبر باب المندب، وهو ممر اكتسب أهمية أكبر بعدما أصبح هرمز نفسه مضطرباً. لكن الصورة التجارية لا تختصر في إغلاق كامل هنا أو عبور طبيعي هناك. ما يتشكل هو سوق ملاحة محكومة بالانتقاء والخوف: بعض السفن تعبر، وبعضها يغير مساره أو يخفي موقعه، وكلفة الرحلة ترتفع قبل أن يتوقف النفط فعلياً.

المسألة الحاسمة ليست ما إذا كان النفط السعودي يستطيع الخروج من ينبع في يوم بعينه، بل إلى متى يمكن أن يبقى ذلك ممكناً تجارياً وبحرياً إذا تزامن ضغط باب المندب مع اضطراب هرمز.

كيف يعمل الالتفاف السعودي حول هرمز

يعتمد المسار البديل على خط الأنابيب شرق-غرب الذي تنقله أرامكو من بقيق قرب الخليج إلى ينبع على البحر الأحمر. وتقول إدارة معلومات الطاقة الأميركية إن طاقة هذا الخط تبلغ 5 ملايين برميل يومياً، وإن أرامكو رفعتها مؤقتاً إلى 7 ملايين برميل يومياً في 2019 بعد تحويل بعض خطوط سوائل الغاز الطبيعي لاستقبال الخام.

هذه الأرقام تشرح لماذا يصبح ينبع مهماً عندما يتعرض هرمز للضغط. ففي 2024، بحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية، بلغ متوسط تدفقات النفط عبر مضيق هرمز 20 مليون برميل يومياً، أي نحو 20% من استهلاك سوائل النفط عالمياً وأكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحراً. وكانت السعودية أكبر مصدر للخام والمكثفات عبر المضيق، بحصة 38% من إجمالي تدفقات الخام، أو 5.5 ملايين برميل يومياً.

غير أن الطاقة الاسمية للخط لا تساوي تلقائياً قدرة مستدامة على تعويض الخليج. فقد قدرت إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن نحو 2.6 مليون برميل يومياً فقط من طاقة خطوط الأنابيب السعودية والإماراتية قد يكون متاحاً لتجاوز هرمز عند تعطل الإمدادات، لأن هذه الخطوط لا تعمل عادة بكامل طاقتها. وتضاف إلى ذلك قيود التخزين، والأرصفة، وبرامج التحميل في ينبع، وتوافر الناقلات المناسبة، وقدرة المشترين على قبول مواعيد مختلفة عما اعتادته مصافيهم.

لذلك، يمثل ينبع صمام تخفيف لا بديلاً كاملاً عن الخليج. أهميته تكبر بقدر ما يضيق هرمز، لكن حدوده تظهر عندما ينتقل الخطر إلى باب المندب، أي إلى البوابة البحرية التي تحتاج إليها الناقلات بعد مغادرة البحر الأحمر جنوباً في اتجاه آسيا.

باب المندب: خطر انتقائي لا إغلاق شامل

حتى الآن، تشير المؤشرات المتاحة إلى ضغط انتقائي عند باب المندب لا إلى انسداد مادي كامل. فقد قدرت Windward Maritime AI أن الحظر الحوثي المعلن سمّى السفن المرتبطة بالسعودية وإسرائيل والولايات المتحدة كأهداف، لكن سلوك الملاحة أظهر نمطاً أضيق. وبحسب تقديرها، حمّلت ناقلتان مرتبطتان بالصين خاماً سعودياً في ينبع في 20 يوليو، وعبرتا باب المندب جنوباً على ما يبدو من دون عرقلة، وعلى متنهما نحو 3.96 مليون برميل مجتمعة.

في المقابل، لم يبق التهديد كلاماً سياسياً. قال المتحدث العسكري الحوثي يحيى سريع في 22 يوليو إن الحوثيين استهدفوا ناقلتي نفط سعوديتين، Encelia وLayla، بسبب مخالفتهما قرار الحظر. وأكدت الهيئة العامة للنقل في السعودية، وفق وكالة الأنباء السعودية، أن Encelia تعرضت لضربة وأن جميع أفراد الطاقم بخير. كما أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بأن ربان ناقلة قال إن السفينة أصيبت بمقذوف مجهول تسبب في حريق كان الطاقم يحاول إخماده. أما الهجوم المزعوم على Layla، فقالت Windward إنها لم تجد له مطابقة مستقلة، مشيرة إلى أن الناقلة كانت متوقفة عن بث نظام التعريف الآلي منذ 17 يوليو.

هذا الفرق مهم. فالسوق لا تحتاج إلى إغلاق كامل كي تعيد تسعير المخاطر. يكفي أن يعتقد مالكو السفن وشركات التأمين والطاقم أن الرحلة قد تتحول إلى مخاطرة غير مقبولة، حتى لو كانت الممرات البحرية لا تزال مفتوحة أمام بعض العابرين.

في 22 يوليو، قال تحذير بحري مشترك، بحسب Windward، إن صواريخ وطائرات مسيرة حوثية وُضعت في مواقع لإنفاذ الحظر، ونصحت المهمة البحرية الأوروبية Aspides السفن المرتبطة بإسرائيل والولايات المتحدة والسعودية بتجنب البحر الأحمر وخليج عدن. وفي العينة التي تابعتها Windward من 14 ناقلة أبلغت أن البحر الأحمر أو السعودية وجهتها، أوقفت ثلاث ناقلات بث نظام التعريف الآلي في خليج عدن، وحولت ناقلتان مسارهما مع استمرار البث، وأطفأت ثلاث ناقلات ترفع العلم السعودي النظام نفسه. وكانت السفن التي أوقفت البث أو غيرت المسار فارغة، بما ينسجم مع توجهها للتحميل في ينبع.

كما نقلت الجزيرة عن بيانات S&P Global أن حركة العبور في باب المندب تراجعت 30% يوم الثلاثاء، من 41 سفينة يوم الاثنين إلى 29 سفينة. الرقم يقول شيئين في وقت واحد: العبور مستمر، لكنه لم يعد عادياً.

هرمز المضطرب يضاعف كلفة البحر الأحمر

تزداد حساسية باب المندب لأن هرمز ليس في وضع طبيعي. قال الحرس الثوري الإيراني إن المضيق تحت سيطرته، وحذر من أنه «مغلق بالكامل» ما دامت الإجراءات الأميركية مستمرة. لكن بيانات S&P Global التي نقلتها الجزيرة أظهرت عبور 10 سفن يوم الثلاثاء، انخفاضاً من 16 يوم الاثنين. كما أفادت Windward بأن مسحاً بالرادار ذي الفتحة الاصطناعية فوق هرمز في 23 يوليو رصد 19 سفينة تبحر من دون بث نظام التعريف الآلي: 10 داخلة، و8 خارجة، وسفينة واحدة متوقفة، إضافة إلى بقعتي نفط.

بذلك يبدو هرمز ممراً شديد الاضطراب لا ممراً مغلقاً بصورة يمكن التعامل معها كحقيقة تشغيلية بسيطة. وتزداد الفجوة إذا قورنت الأرقام الحالية بتقديرات الجزيرة لما قبل الحرب، حين كان بين 120 و140 سفينة تعبر المضيق يومياً، نحو نصفها ناقلات نفط تنقل حوالي 20 مليون برميل يومياً. وفي ذروة الحرب على إيران، هبطت الحركة إلى ما لا يتجاوز ناقلتين يومياً في بعض الفترات.

هذا الوضع يضغط على آسيا قبل غيرها. فإدارة معلومات الطاقة الأميركية تقدر أن 84% من النفط الخام والمكثفات و83% من الغاز الطبيعي المسال التي مرت عبر هرمز في 2024 اتجهت إلى أسواق آسيوية، وأن الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية استحوذت على 69% من إجمالي تدفقات الخام والمكثفات عبره. لذلك، يصبح أي تضييق إضافي عند باب المندب مشكلة آسيوية مباشرة، لا مجرد توتر إقليمي.

الهند تقدم مثالاً واضحاً. بيانات TradeInt لواردات الهند تحت بند الخام أظهرت أن السعودية كانت ثالث أكبر مورد للخام إلى الهند في الربع الأول من 2026، بواردات قيمتها 2.586 مليار دولار وحصة 16.03%، بعد العراق وروسيا. وتقول TradeInt إن هذه الواردات تستند إلى اتفاقات توريد سيادية مباشرة ومحددة الأجل بين أرامكو ومصافي التكرير الحكومية الهندية ضمن عقود متعددة السنوات. معنى ذلك أن التعرض لا يقتصر على شحنات فورية يمكن استبدالها بسهولة؛ إنه يمس برامج تكرير وعلاقات توريد ومواعيد تسليم.

الكلفة التجارية بدأت تعكس هذا القلق. نقلت الجزيرة عن بيانات S&P Global أن كلفة تأمين مخاطر الحرب لرحلات هرمز ارتفعت من 1-3% من قيمة هيكل السفينة إلى 7.5-10%. وبلغت كلفة نقل شحنة خام من الخليج إلى الصين بحجم 270 ألف طن متري 77.96 دولاراً للطن، أي أربعة أضعاف متوسط خمس سنوات البالغ 18.91 دولاراً. أما عند باب المندب، فقد بلغت أقساط السفن العابرة 0.5% من قيمة الهيكل، مقارنة بـ0.1% للسفن التي تبحر في البحر الأحمر قرب غرب السعودية خارج مدى الحوثيين، وفق S&P Global وماركوس بيكر من Marsh.

التأمين هنا ليس بنداً محاسبياً معزولاً. قالت سيمون كرومّاكر من Bayes Business School إن التغطية تبقى متاحة عموماً لكثير من الرحلات عبر هرمز وباب المندب، لكنها تأتي غالباً بشروط مقيدة وبأسعار قد تغير اقتصاديات الرحلة بشكل ملموس. وأضافت أن بعض المالكين قد يرفضون التغطية حتى حين تكون متاحة بسبب سلامة الطاقم، أو شروط التمويل، أو حدود المخاطر داخل الشركة، أو القلق من خسارة مادية. كما رأت أن تراجع توافر السفن، وطول الرحلات، والتأخيرات، وارتفاع كلفة الوقود قد يكون أثرها أكبر من أثر قسط التأمين نفسه.

هنا تظهر حدود الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح. فهو قد يبقى خياراً احتياطياً لبعض السفن، لكنه لا يحل المشكلة من دون ثمن. الرحلة الأطول تعني وقتاً أكبر خارج السوق، ومزيداً من الوقود، وضغطاً على توافر الناقلات، وتأخيرات قد تربك مصافي آسيوية تعتمد على جداول خام دقيقة.

في المحصلة، ستتحدد قدرة السعودية على إبقاء إمداداتها الآسيوية عبر ينبع بثلاثة مستويات متداخلة. الأول مادي: استمرار تشغيل خط شرق-غرب ومحطة ينبع عند مستوى يسمح بتحميل كميات ذات معنى. الثاني أمني وتجاري: بقاء باب المندب قابلاً لعبور ناقلات لا تراها الجهة المهددة هدفاً مباشراً، أو تقبل شركاتها تحمل المخاطر. الثالث آسيوي: قدرة المصافي والمشترين على دفع كلفة أعلى، وتحمل تأخير أطول، أو تعديل سلة خاماتهم عند الحاجة.

إذا بقي الخطر الحوثي انتقائياً، وبقيت التغطية التأمينية متاحة رغم ارتفاعها، يستطيع ممر ينبع أن يواصل خدمة جزء من الطلب الآسيوي. أما إذا اتسع الاستهداف من هوية السفينة وارتباطاتها إلى خام سعودي المنشأ أياً كان ناقله، أو إذا أبقى اضطراب هرمز سوق الناقلات مشدودة، فسيتحول الممر من بديل استراتيجي إلى طريق مكلف ومحدود. عند تلك النقطة، لا يكون السؤال عن وجود ممر بحري على الخريطة، بل عن السعر السياسي والتجاري الذي يجعل استخدامه ممكناً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى