Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
EXPLAINERS

تحالف البحر الأحمر الجديد: كيف تحولت المبادرة الأمنية إلى مظلة إقليمية لحماية الملاحة وطرق الطاقة؟

تنسيق دفاعي تقوده الرياض بمشاركة 14 دولة لوضع إطار مؤسسي لحرية الملاحة في باب المندب، يعكس تحولاً نحو إدارة الإقليم لأمنه البحري بعيداً عن الاعتماد الكامل على التحالفات الغربية.

شهدت الهيكلية الأمنية للممرات المائية في الشرق الأوسط تحولاً بارزاً أواخر يوليو 2026، بتأسيس «التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات» في الرياض. ولا يعبر هذا التحالف مجرد إطار تنسيقي جديد لردع التهديدات المباشرة في البحر الأحمر وغرب المحيط الهندي، بل يمثل انتقالاً استراتيجياً من التحالفات الغربية التقليدية إلى هيكل أمني تقوده دول المنطقة.

جاء الإعلان عن التحالف عقب صياغة إعلانه التأسيسي في 30 يوليو 2026، بعد عشرة أيام من إعلان جماعة الحوثي اليمنية فرض «حصار بحري» على السفن والناقلات النفطية المرتبطة بالسعودية في البحر الأحمر، ما هدد شريان الصادرات النفطية البديل للمملكة عبر ميناء ينبع، وفرض ضرورة ملحة لمأسسة الحماية المباشرة لمضيق باب المندب وخليج عدن.

الخلاصة

  • تأسس «التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات» رسمياً في الرياض بتاريخ 30 يوليو 2026 بمشاركة 14 دولة مؤسسة، ومركز قيادته الرئيسي في السعودية.
  • جاء تشكيل التحالف رد عملي مباشر على إعلان الحوثيين حصاراً بحرياً في 20 يوليو 2026 واستعراض قدرة الإقليم على تأمين مضيق باب المندب والبحر الأحمر.
  • التحالف ذو طبيعة دفاعية بحتة ولا يمثل معاهدة دفاع جماعي إجباري؛ حيث تظل المشاركة العسكرية العملية قراراً سيادياً لكل دولة وفق قوانينها الوطنية.
  • ضم التحالف قوى إقليمية ونفعية بارزة مثل تركيا وباكستان ومصر، في حين غابت دول إقليمية رئيسية كالإمارات وعمان عن وثيقة التأسيس لأسباب تتعلق بالسياسات الخارجية المتباينة.

التحول نحو الملكية الإقليمية: لماذا تولت الرياض قيادة أمن البحر الأحمر؟

على مدى عقود، اعتمد أمن الملاحة في الممرات المائية المحيطة بشبه الجزيرة العربية على مبادرات وتقسيمات تقودها القوى الغربية، مثل «القوات البحرية المشتركة» (CMF) ومقرها البحرين، أو «تحالف حارس الازدهار» (Operation Prosperity Guardian) الذي أطلقته الولايات المتحدة في ديسمبر 2023، فضلاً عن المهمة الأوروبية «أسبيدس» (EUNAVFOR Aspides) التي أطلقت في فبراير 2024 لحماية السفن التجارية.

غير أن التطورات التي أعقبت الهدنة الأمريكية-الحوثية في مايو 2025، وتكرار الهجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، أظهرت حدود الاعتماد المستمر على الرقابة والتدخل الغربي المباشر. وأوجدت هذه الحدود قناعة لدى العواصم الإقليمية بضرورة وجود إطار المؤسسة الوطنية والإقليمية الداعمة للاستقرار المائي.

أظهر التأسيس الصادر عن وكالة الأنباء السعودية (واس) أن التحالف الجديد أُقيم لتوفير منصة دائمية تدير المراقبة وتبادل المعلومات وحماية خطوط الإمداد بأسلوب مؤسسي محلي. وبينما ركزت التحالفات الغربية على تسيير دوريات عسكرية ومواجهات مباشرة، يهدف التكتل الإقليمي الجديد إلى توحيد جهود الدول المطلة على البحر الأحمر والدول المتأثرة حركة التجارة عبره، وتوفير استجابة أمنية تعتمد على الشرعية الدولية مع الاحتفاظ بالقيادة الإقليمية.

من حصار ينبع إلى قمة الرياض: تسلسل الأحداث التي أطلقت التحالف

تعود الجذور المباشرة لإطلاق التحالف إلى التصعيد الحاد الذي شهده شهر يوليو 2026. ففي 13 يوليو، أطلق الحوثيون صواريخ باليستية باتجاه أهداف سعودية أعلنت الدفاعات الجوية عن اعتراضها. ثم أعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة، يحيى سريع، في 20 يوليو 2026، فرض «حصار بحري» فوري يستهدف الملاحة والناقلات النفطية المرتبطة بالسعودية في البحر الأحمر.

ومع تزايد الاضطرابات في مضيق هرمز خلال الفترات السابقة، كانت السعودية قد رفعت حجم صادراتها النفطية عبر أنبوب النفط شرق-غرب إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر من نحو 760 ألف برميل يومياً إلى نحو 3.8 ملايين برميل يومياً، ما جعل ساحل البحر الأحمر الشريان البديل والأهم لتصدير الخام السعودي.

وفقاً لبيانات الملاحة والتتبع الصادرة عن ___SAFE_LINK_0_، أدى إعلان الحصار واستهدف ناقلات نفط في الفترة بين 20 و25 يوليو إلى تحول مسار عدة ناقلات عملاقة (VLCC)، من بينها الناقلة «شين لونغ يانغ» المدارة عبر شركة «كوسكو»، حيث اضطرت للالتفاف والعودة في البحر الأحمر وخليج عدن. وأظهرت التحليلات التخصصية في _SAFE_LINK_1___ تراجع متوسط العبور اليومي للقطاعات التجارية عبر باب المندب من نحو 40 سفينة إلى 32 سفينة خلال 48 ساعة فقط من إعلان الحصار.

ورداً على هذا التهديد المباشر لأمن الطاقة والتجارة العالمية، نفذت القوات السعودية ضربات جوية على مواقع عسكرية حوثية في الحديدة، وتلتها ضربات منسقة بين القوات المسلحة السعودية والقيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) في 29 يوليو استهدفت فصائل في العراق مرتبطة بالهجمات. وفي اليوم التالي، 30 يوليو 2026، جمعت السعودية ممثلي 43 دولة ووفداً من الاتحاد الأوروبي في الرياض، ليُعتقب الاجتماع صدور الإعلان التأسيسي للتحالف من قبل 14 دولة.

الهيكل التنظيمي والتشغيلي: كيف تعمل آليات التحالف الجديد؟

يُبرز الإعلان الرسمي الصادر عن وزارة الدفاع السعودية أن التحالف مبني على هيكلية أجهزة تنفيذية مركزية مقرها جميعاً في مدينة الرياض، وتعمل كمنظومة متكاملة ليدير من خلالها العمليات والجهود الاستخباراتية.

تتوزع هذه الهيكلية التنظيمية على عدة هيئات رئيسية:

  • القيادة المشتركة (Joint Command): الهيئة العسكرية العليا المسؤولة عن وضع الاتجاهات الاستراتيجية والتخطيط العام.
  • مركز العمليات البحرية المشتركة (JMOC): يتولى المتابعة اللحظية وحركة الملاحة، وتنسيق القوافل التجارية، وتتبع الأخطار والمخاطر البحرية في باب المندب والبحر الأحمر.
  • مركز تنسيق العمليات المشتركة (JOCC): يركز على التخطيط التكتيكي، والربط التشغيلي بين هيئات الأركان للدول الأعضاء.
  • الأمانة العامة (General Secretariat): الجهاز الإداري والقانوني المسؤول عن إدارة المعاهدة وتنظيم انضمام الأعضاء الجدد.

[ الأمانة العامة ] (الرياض) │ [ القيادة المشتركة ] (الرياض) │ ┌─────────────────────────┴─────────────────────────┐ ▼ ▼ [مركز العمليات البحرية المشتركة] [مركز تنسيق العمليات المشتركة] (المتابعة البحرية والتأمين) (التخطيط الاستخباراتي والعملياتي) │ │ └─────────────────────────┬─────────────────────────┘ ▼ [ الانتشار العسكري السيادي ] (مشاركات اختيارية بالقطع البحرية والطائرات)

وعلى عكس الأطر التكافلية الصارمة مثل البند الخامس في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، يعتمد التحالف الجديد على مبدأ سيادة القرار الوطني. فالمشاركة في أي عملية عسكرية أو تسيير دورية أو مواكبة قوافل تجارية تبقى قراراً اختيارياً وسيادياً لكل دولة وفق قوانينها الداخلية. ويسمح هذا الترتيب للدول الأعضاء بالمشاركة في تبادل المعلومات الاستخباراتية والبيانات الرادارية دون ملزمات بخوض مواجهات عسكرية مباشرة.

توازنات القوى والأعضاء: بين المظلة الموسعة وغياب الجيران

تتكون قائمة الدول الـ14 الموقعّة على الإعلان التأسيسي من: السعودية، الكويت، البحرين، قطر، تركيا، مصر، الأردن، الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، باكستان، بنغلاديش، نيجيريا، السودان، جيبوتي، وسوماليلاند/الصومال (مع إشارات لدعم جزر القمر).

ويعكس هذا التنوع مشاركة ثقيلة لقوى بحرية رئيسية في المنطقة؛ إذ تقدم تركيا قدرات عسكرية بحرية كبيرة بصفتها عضواً رئيساً في الناتو، وتوفر باكستان الخبرة البحرية العالية في المحيط الهندي، بينما يمثل حضور مصر أهمية جيو-اقتصادية فائقة بالنظر إلى سيطرتها على قناة السويس المتأثرة مباشرة بأمن باب المندب.

مع ذلك، أشار تحليل نشرته شبكة المونيتور إلى نقطة لافتة في التوازنات الإقليمية، تكمن في غياب دولة الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان عن التوقيع على وثيقة التأسيس الأولى، على الرغم من مشاركة وفود أو تلقي دعوات لحضور المحادثات:

  • سلطنة عمان: تلتزم بسياسة حياد دبلوماسي صارمة، وتلعب دور الوسيط الرئيسي بين القوى الغربية والسعودية وإيران والحوثيين. ولذا فإن انضمامها للتحالف قد يمس بموقعها كواسطة خيار للدبلوماسية والوساطة.
  • الإمارات العربية المتحدة: تتبع رؤية جيو-سياسية خاصة في جنوب اليمن وباب المندب والقرن الأفريقي، فضلاً عن وجود منافسة اقتصادية واستراتيجية أوسع حول القيادة الإقليمية والموانئ.

في المقابل، أوضح تقرير نشرته وكالة شينخوا أن حضور ممثلين عن 43 دولة والاتحاد الأوروبي بصفة مراقبين يعكس عدم تعارض التحالف مع الجهود الدولية، بل سعيه لملء الفراغ التشغيلي عبر آليات محلية تستند للشرعية الدولية وقانون البحار (UNCLOS).

مقارنة بين التكتلات البحرية في البحر الأحمر

يوضح الجدول التالي الاختلافات الهيكلية والتنفيذية بين التحالفات البحرية الناشطة في المنطقة:

| وجه المقارنة | تحالف حارس الازدهار (الولايات المتحدة) | مهمة أسبيدس (الاتحاد الأوروبي) | التحالف البحري الدفاعي (قيادة سعودية) | | :— | :— | :— | :— | | تاريخ الإطلاق | ديسمبر 2023 | فبراير 2024 | 30 يوليو 2026 | | القيادة والمقر | أمريكية (القيادة البحرية المركزية – البحرين) | أوروبية (لاريسا – اليونان) | سعودية (الرياض – السعودية) | | طبيعة العضوية | دول غربية وحلفاء محددون | دول الاتحاد الأوروبي | 14 دولة إقليمية وآسيوية وأفريقية | | النطاق العملياتي | اعتراض بحري وضربات داخل اليمن | حماية واكبت الدفاعية؛ دون ضربات باليستية | حماية المسارات وتأمين الملاحة بأسلوب دفاعي | | الطبيعة القانونية | تحالف عملياتي عسكري تكتيكي | مهمة بحرية دفاعية لحماية السفن | إطار مؤسسي دفاعي دائم ممتد |

حدود القوة البحرية: ما الذي يحققه التحالف وما لا يستطيعه؟

رغم أهمية خطوة الإعلان عن تأسيس التحالف، يشير خبراء الملاحة والاقتصاد المالي في تقارير نشرتها ريغزون / بلومبرغ إلى أن التحالف يقدم في المرحلة الراهنة إطاراً سياسياً وهيكلياً للقيادة، لكنه لم يتسلم بعد التزامات محددة بعدد السفن الحربية أو المدمرات أو القطع الجوية التي ستخصصها الدول الأعضاء (باستثناء القوات السعودية) لصالح قوة دائمية مرابطة.

كذلك، يلفت المحللون إلى أن التهديدات غير التقليدية في البحر الأحمر ليست بحرية بالمطلق؛ فالقطع البحرية والدوريات التنسيقية يمكنها حماية الممرات المائية والحد من المخاطر، ولكنها لا تستطيع القضاء الكامل على الهجمات الصاروخية الباليستية أو الطائرات المسيرة المنطلقة من عمق الأراضي اليمنية، ما لم تترافق مع أطر سياسية أو مواجهات تستهدف منصات الإطلاق ذاتها.

وعلاوة على ذلك، يؤكد الإعلان التأسيسي للتحالف على التزامه الصارم بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، مبيناً أنه «لا يستهدف أي دولة أو منظمة أو حلف بعينه»، وهو ما يرسخ طبيعته الدفاعية المقتصرة على حماية أمن الملاحة وحرية التجارة، وينفي عنه صفة الأحلاف الهجومية.

التداعيات والآفاق المستقبلية

يُظهر إنشاء التحالف البحري الدفاعي متناقضات ومكاسب متصلة بالأمن البحري وسوق الطاقة العالمي:

  1. طمأنة أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد: أدى الإعلان السريع عن تشكيل التحالف إلى كبح التذبذبات الحادة في أسعار النفط العالمية، عقب المخاوف التي أثارها تحويل مسار الناقلات من ينبع وباب المندب، واعتبرت الأسواق أن وجود تنسيق بين 14 دولة يمنح الحماية للملاحة التجارية.
  2. تطوير البنية المعلوماتية: يؤسس التحالف لشبكة تبادل بيانات استخباراتية ورادارية دائمية تربط دول الخليج وشمال أفريقيا وجنوب آسيا، ما يرفع من كفاءة الإنذار المبكر ومواجهة التهديدات البحرية غير النظامية.
  3. تأسيس أمني طويل المدى: يمثل التحالف تحولاً ملموساً نحو الاعتماد على الذات إقليمياً لضمان الأمن المائي في واحد من أهم الممرات الاقتصادية عالمياً، حيث يمر عبر البحر الأحمر وقناة السويس نحو 10% إلى 12% من إجمالي التجارة العالمية و30% من حركة الحاويات.

تبقى المسائل المتعلقة بالقواعد التفصيلية للاشتباك (Rules of Engagement)، واستكمال التصديقات الدستورية والبرلمانية في عواصم الدول الـ14، ومدى إمكانية انضمام دول جديدة من بين الـ43 التي حضرت قمة الرياض، العوامل المعيارية التي ستحدد النجاح التشغيلي لهذا التحالف ومستقبل الاستقرار في باب المندب والبحر الأحمر.

المصادر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى