التراجع في اللحظة الأخيرة: ماذا يكشف التاريخ العسكري لترمب مع إيران عن عقيدته ومستقبل الصراع؟
يكشف إلغاء الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للضربات العسكرية ضد إيران عن نمط تشغيلي متكرر يقوم على "حافة الهاوية التفاوضية"، حيث يُستخدم التهديد العسكري الأقصى كأداة ضغط لانتزاع المكاسب دون التورط في حرب إقليمية مفتوحة.
في الثاني من أغسطس/آب 2026، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عبر منصته "تروث سوشيال" إلغاء ضربات عسكرية واسعة النطاق كانت مجهزة للتنفيذ ضد البنية التحتية للطاقة والمرافق الإستراتيجية الإيرانية. ورغم تأكيده أن القوات الأمريكية كانت "على أهبة الاستعداد والتنفيذ"، أوضح ترمب أنه قرر وقف الهجوم بعد اتصالات من مسؤولين إيرانيين وحلفاء إقليميين أشاروا إلى الوصول إلى "أطر اتفاق" تشمل إعادة فتح مضيق هرمز وإحراز تقدم بشأن الملف النووي.
لم تكن هذه الحادثة سوى الحلقة الأحدث في سلسلة طويلة من التراجعات الحادة في اللحظات الأخيرة. فمنذ ولايته الأولى وصولاً إلى ولايته الثانية، تكررت الممارسة ذاتها: إيصال الجاهزية العسكرية إلى الذروة، ثم إيقاف الأوامر قبل ساعات أو دقائق معدودة من التنفيذ. يطرح هذا السلوك سؤالين جوهريين حول طبيعة اتخاذ القرار لدى ترمب ومستقبل الصراع الأمريكي-الإيراني.
تثبت الوقائع الميدانية والقرارات التاريخية أن هذه التراجعات ليست مجرد تردد أو نوبات مسالمة طارئة، بل تعكس عقيدة إستراتيجية تقوم على المساومة التجارية القائمة على التهديد الأقصى، مقترنة بالحذر الشديد من التكلفة الاقتصادية والسياسية للحرب الشاملة.
الخلاصة
- دورة من أربع مراحل: يتبع إدارة ترمب للأزمات الإيرانية مساراً ثابتاً يبدأ بالتصعيد اللفظي والحشد العسكري، يليه الوصول إلى حافة التنفيذ، ثم التراجع المفاجئ، وأخيراً إعادة تقديم الموقف إعلامياً كصنيع سلام أو تقدم تفاوضي.
- كوابح ميدانية وإقليمية: على العكس من التصريحات الرسمية التي تعزو التراجع لدوافع إنسانية، تكشف الحقائق العملية أن تحذيرات البنتاغون بشأن نقص الذخائر وضغوط الدول الخليجية تلعب الدور الأبرز في إيقاف الضربات.
- أداة مساومة لا أداة تغيير نظام: يتعامل ترمب مع القوة العسكرية باعتبارها رافعة مالية وسياسية لإجبار الخصوم على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، مع تجنب الحروب الممتدة أو استنزاف الاقتصاد الأمريكي قبيل الاستحقاقات الانتخابية.
- استقرار هش ودورات متكررة: يمنع هذا الأسلوب اندلاع حرب إقليمية شاملة في المدى القصير، لكنه يفشل في تحقيق حل إستراتيجي دائم، مما يُبقي الصراع في دوامة مستمرة من التصعيد والتهدئة.
النموذج المكرر: كيف يدير ترمب أزماته العسكرية؟
تُظهر دراسة الأزمات العسكرية بين واشنطن وطهران خلال ولايتي ترمب الأولى (2017–2021) والثانية نمطاً عملياتياً مكوناً من أربع مراحل متتابعة:
تبدأ المرحلة الأولى بالتهديد المباشر واستخدام خطاب التصعيد الأقصى، مع تحريك الأصول العسكرية الإستراتيجية ووضع مهل زمنية ضاغطة. في المرحلة الثانية، تصل القوات إلى حالة الجاهزية القصوى لشن الهجمات قبل ساعات أو دقائق من ساعة الصفر. وتأتي المرحلة الثالثة بقرار مفاجئ يمارسه ترمب شخصياً بإلغاء الضربة أو تأجيلها، معزواً ذلك إلى أسباب إنسانية أو تجاوباً مع وساطات إقليمية. وأخيراً، تتمثل المرحلة الرابعة في إعادة تأطير التراجع إعلامياً باعتباره مظهراً للقوة والحكمة والقدرة على فرض السلام مع إبقاء العقوبات الاقتصادية قائمة.
تجسدت هذه الدورة بوضوح في عدة محطات مفصلية:
في 20 يونيو/حزيران 2019، ألغى ترمب ضربات جوية ضد ثلاثة أهداف إيرانية قبل 10 دقائق فقط من موعد التنفيذ، رداً على إسقاط طهران طائرة استطلاع أمريكية دون طيار من طراز "Global Hawk" فوق مضيق هرمز. وصرّح ترمب حينها بأنه أوقف الضربة لأن مقتل 150 شخصاً إيرانياً مفترضاً لا يتناسب مع إسقاط طائرة غير مأهولة.
وفي 8 يناير/كانون الثاني 2020، وعقب إطلاق إيران أكثر من 12 صواريخ باليستياً على قاعدة "عين الأسد" في العراق رداً على اغتيال قاسم سليماني، تراجع ترمب عن تنفيذ رد عسكري واسع رغم تهديداته السابقة باستهداف 52 موقعاً إيرانياً، مبرراً ذلك بعدم وقوع قتلى في صفوف الجنود الأمريكيين وأعلن أن "إيران تبدو وكأنها تتراجع".
تكرر الأمر في 24 مارس/آذار 2026، عندما هدد ترمب بقصف بنية الطاقة الإيرانية إذا لم يُفتح مضيق هرمز، ولكنه أعلن فجأة تأجيل العملية لمدة خمسة أيام قبل ساعات من الموعد المحدد، محيلاً القرار إلى وجود "محادثات مثمرة".
بين الواقعية الميدانية والضغط الإقليمي: ما الذي يدفع ترمب للتراجع؟
رغم حرص ترمب على إظهار قرارات التراجع كمبادرات إنسانية شخصية أو صفقات سلام، تفيد المعطيات الميدانية والتقارير الاستخباراتية بأن هناك عوامل تشغيلية واقتصادية حاسمة تفرض نفسها في اللحظات الأخيرة:
أولاً، الحسابات الميدانية ومخزونات التسليح: في الفترة بين 25 و26 يوليو/تموز 2026، وبعد 10 ليالٍ متتالية من الضربات الجوية الأمريكية رداً على مقتل جنود أمريكيين في الأردن، وجه البنتاغون تحذيرات صريحة للبيت الأبيض بشأن انخفاض مخزونات صواريخ الدفاع الجوي من طراز "باتريوت"، مما دفع ترمب إلى إعلان وقف مؤقت للضربات.
ثانياً، دور الكوابح الإقليمية: تؤدي دول الخليج—ولا سيما السعودية وقطر والإمارات—دوراً محورياً في كبح الجموح العسكري الأمريكي. ونظراً لوقوع هذه الدول ضمن مديات الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، فإن أي تهديد أمريكي يستهدف المنشآت النفطية الإيرانية (مثل جزيرة خرج) يثير مخاوف خليجية جادة من ردود انتقامية طالت مرافق الطاقة الإقليمية.
وفي هذا السياق، كشفت التقارير أن الاتصال الهاتفي رفيع المستوى الذي أجراه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع ترمب يوم السبت 1 أغسطس/آب 2026 تضمن تحذيرات مباشرة من التبعات الاقتصادية والأمنية لضرب البنية التحتية للطاقة، مما شكل الدافع المباشر لإعلان ترمب تعليق الضربات في اليوم التالي وفق ما أوردته صحيفة Axios.
ثالثاً، الحساسية تجاه أسعار النفط والانتخابات: يُظهر ترمب حساسيتها عالية تجاه الخسائر البشرية الأمريكية وصدمات أسواق الطاقة؛ إذ إن ارتفاع أسعار البنزين عالمياً يؤثر مباشرة على الناخب الأمريكي قبيل انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، وهو ما يجعل كلفة الحرب الشاملة أعلى بكثير من مكاسبها السياسية.
الاستثناء الذي يؤكد القاعدة: حدود استخدام القوة القاتلة
تطرح عملية اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني في 3 يناير/كانون الثاني 2020 استثناءً زاهياً يتساءل البعض عن مدى تعارضه مع نمط التراجع. غير أن التحليل العملياتي يظهر أن هذه العملية تؤكد عقيدة ترمب ولا تناقضها.
ينفذ ترمب العمليات العسكرية الفتاكة عندما تتوافر شروط محددة: أهداف فردية عالية Value ذات أثر استراتيجي مباشر، بصمة عسكرية أمريكية محدودة، نافذة زمنية خاطفة للتنفيذ، ونسبة مسبقة منخفضة للخسائر في صفوف القوات الأمريكية.
وفي المقابل، يتراجع ترمب فوراً عندما تلوح في الأفق حملات عسكرية واسعة أو عمليات قصف ممتدة تتطلب حضوراً ميدانياً طويلاً وتزيد من احتمالية الانزلاق إلى حرب استنزاف إقليمية.
التقييم الإستراتيجي: "استراتيجية المجنون" أم إضعاف للردع؟
تتغلب في الأوساط السياسية العسكرية تفسيرات متضاربة لهذا السلوك التكتيكي:
يقدم أنصار ترمب وبعض محللي المدرسة الواقعية تفسيراً يقوم على مفاد "استراتيجية الرجل المجنون" المحسوبة؛ حيث إن إيصال الاستعدادات العسكرية إلى T-minus دقائق يُقنع طهران بوجود خطر وجودي وشيك، مما يدفعها لتقديم تنازلات على طاولة المفاوضات دون أن تتحمل واشنطن كلفة الحرب. وقد أيد هذا التفسير خبراء في شؤون الشرق الأوسط مثل جيسون برودسكي في تحليلات نشرتها شبكة Fox News، مؤكدين أن الدبلوماسية المباشرة في إسلام آباد بين النائب جي دي فانس ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف في إبريل/نيسان 2026 كانت ثمرة لهذا الضغط العسكري المكثف.
وعلى الجانب الآخر، ينتقد خبراء الدفاع ونظرية الألعاب هذا الأسلوب. فوفقاً لتحليلات مستندة إلى أبحاث توماس شيلينغ حول "لعبة الدجاجة" والنشرات التخصصية لـ Econlib، فإن الوصول إلى الحافة ثم التراجع يتسبب في تآكل قوة الردع الأمريكية. يتعلم الخصوم مع الوقت أن خطوط ترمب الحمراء مرنة، مما يحفزهم على اختبار الاستجابة الأمريكية مجدداً. ويتجلى ذلك في انهيار مذكرة التفاهم لوقف إطلاق النار الموقعة في 17 يونيو/حزيران 2026 بعد أسابيع قليلة من توقيعها، وتجدد الاشتباكات الميدانية.
ما الذي تكشفه الأدلة وما الذي لا تكشفه؟
عند قياس النتائج المباشرة لإعلان 2 أغسطس/آب 2026 والأزمات السابقة، يتعين التمييز بدقة بين المكاسب التكتيكية والتسويات الدائمة:
ما تثبته الأدلة: تثبت الأدلة أن أسلوب التراجع في اللحظة الأخيرة ينقذ المنطقة من مواجهات مسلحة كارثية وشيكة، ويمنح أسواق المال والنفط متنفساً مؤقتاً، كما يوفر مساحة للمستشارين والوسطاء الإقليميين لصياغة ترتيبات مهدئة حول خطوط الملاحة في مضيق هرمز.
ما لا تثبته الأدلة: لا تثبت الأدلة الوصول إلى معاهدة سلام دائمة أو تفكيك كامل للبرنامج النووي الإيراني؛ إذ إن ما يُعلن عنه غالباً هو "أطر عامة للاتفاق" وليست وثائق نائية موثوقة. كما لا تثبت هذه التراجعات تحول ترمب إلى موقف مسالم بشكل مطلق، ولا تعني الاستسلام النهائي للهياكل العسكرية الإيرانية.
يبقى مستقبل الصراع الأمريكي-الإيراني رهيناً بهذه المعادلة غير المستقرة: تهديدات عسكرية قصوى تتوقف عند الأمتار الأخيرة، تفضي إلى اتفاقات مؤقتة سرعان ما تتآكل تحت وطأة الشكوك المتبادلة، لتنفجر الأزمة مجدداً في دورة جديدة من حبس الأنفاس.
المصادر
- The Guardian — Trump says he stopped airstrike on Iran because 150 would have died
- Truth Social — Official Social Media Announcement on Iran Strikes Cancellation
- Business Standard — Trump pauses new strikes, says parameters set for deal to end Iran war
- Axios / Kashmir Vision — Saudi Crown Prince urges Trump not to escalate Iran war as US leader weighs new strikes
- The Times / DAWN — Trump orders US military to hold off on strikes on Iran
- BBC News / Eye Radio — US renews Iran strikes; Trump cites soldier deaths
- TIME Magazine — Trump De-Escalates Tension With Iran in Televised Address
- Wikipedia — Assassination of Qasem Soleimani
- Fox News — Trump's Iran strategy showcases 'doctrine of unpredictability' amid strike threats and sudden pause
- Econlib — A Chicken Game Between Two Governments
- The Insider — Dealbreaker-in-chief: Without a strategy, Trump's aggressive negotiating style will inevitably lead to new failures