فجوة التكلفة وتحديات الوقود: الأسباب الحقيقية لرفع أسعار الكهرباء في مصر
تُعد أحدث زيادة في أسعار الكهرباء بمصر نتيجة حتمية لاتساع الفجوة بين تكلفة التوليد وسعر البيع، وتفاقم الديون المتداخلة بين الوزارات، وضغوط استيراد الوقود بالعملة الأجنبية بعد تراجع الإنتاج المحلي للغاز.
لم يكن قرار رفع أسعار الكهرباء الصادر في أواخر يوليو وأغسطس 2026 خياراً معزولاً أو إجراءً مالياً مفاجئاً، بل جاء كحلقة في مسار إعادة هيكلة متكامل يواجه أزمة مركبة في قطاع الطاقة المصري. فبينما تمتلك البلاد بنية تحتية فائضة ومحطات توليد حديثة، اصطدمت المنظومة الماليّة للقطاع بركيزتين حرجتين: الارتفاع الحاد في تكلفة الوقود المقوّم بالدولار عقب تحرير سعر الصرف، والتراجع في إنتاج حقول الغاز الطبيعي المحلية، مما فرض على الدولة أعباء استيرادية بمليارات الدولارات لمنع عودة خطط تخفيف الأحمال (قطع الكهرباء المجدول).
معادلة التكلفة وسعر البيع: كيف تتسع الفجوة المالية؟
تتمثل العقبة الرئيسية التي تواجه قطاع الكهرباء في الفجوة المتسعة بين تكلفة إنتاج الطاقة وسعر بيعها للمستهلكين. فوفق تصريحات وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة في أغسطس 2026، بلغت التكلفة الفعلية لتوليد وتوصيل الكيلوواط/ساعة نحو 3.25 جنيه مصري في منتصف عام 2026، مقارنة بنحو 2.23 جنيه مصري في منتصف عام 2024، بزيادة بلغت نسبتها 46%.
في المقابل، لا تغطي أسعار البيع المطبقة سوى جزء يسير من هذه التكلفة. إذ تدفع الشريحة الأولى للاستهلاك المنزلي (Tier 1) نحو 0.68 جنيه مصري لكل كيلوواط/ساعة، وهو ما يعني أن الدولة تتحمل 75% من تكلفة إنتاج الكهرباء لهذه الفئة، بينما يتحمل المستهلك 25% فقط. وتتدرج هذه النسب مع ارتفاع الاستهلاك؛ إذ يغطي مشتركو الشريحة الثالثة (300 كيلوواط/ساعة) نحو 49% إلى 50% من التكلفة الفعلية، بينما يصل معدل التغطية إلى 88% لمستهلكي الشريحة السادسة (حتى 1000 كيلوواط/ساعة)، ولا يتحمل التكلفة كاملة دون أي دعم سوى كبار المستهلكين الذين يتجاوز استهلاكهم 2000 كيلوواط/ساعة شهرياً.
ورغم التعديلات المتكررة في أسعار التعريفة، تظهر بيانات الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2026/2027 تخصيص أكثر من 100 مليار جنيه مصري (نحو 1.9 إلى 2.04 مليار دولار) لدعم الكهرباء، بنسبة زيادة بلغت 33% مقارنة بالعام المالي السابق الذي سجل 75 مليار جنيه، وذلك لاستيعاب الارتفاع الكبير في أسعار الوقود المستخدم في التوليد.
أزمة الوقود وتراجع إنتاج الغاز الطبيعي المحلي
ترتبط أزمة الكهرباء في مصر ارتباطاً وثيقاً بمزيج الطاقة المستخدم في التوليد؛ إذ يولد الغاز الطبيعي ما بين 79% و82% من إجمالي إمدادات شبكة الكهرباء القومية. وتستهلك محطات التوليد يومياً ما بين 3.0 و3.3 مليار قدم مكعبة من الغاز، أي ما يوازي 58% إلى 60% من إجمالي الإنتاج المحلي للغاز الطبيعي.
ومع تراجع معدلات الإنتاج من الحقول المحلية (مثل حقل ظهر) بأسرع من التقديرات المتوقعة، تحولت مصر من دولة مصدّرة للغاز الطبيعي إلى مستورد له. ولكي تتفادى الدولة العودة إلى خطط تخفيف الأحمال (قطع الكهرباء المجدول) التي شهدتها البلاد في صيف 2023 ومنتصف 2024، أُبرمت عقود لاستيراد نحو 160 شحنة من الغاز الطبيعي المسال خلال عام 2026، بتكلفة إجمالية تُقدر بنحو 3 مليارات دولار بالنقد الأجنبي.
ولم تقتصر الضغوط على تراجع الإنتاج فحسب، بل تفاقمت بفعل التوترات الجيوسياسية واضطرابات الطاقة الإقليمية في الشرق الأوسط خلال منتصف عام 2026. وتسببت هذه التوترات في ارتفاع فواتير الاستيراد، إلى جانب تعرض إحدى وحدات إعادة التغزيل العائمة (FSRU) الأربع لأضرار إثر هجوم بطائرة مسيرة في يوليو 2026، مما أثر مؤقتاً على القدرة الاستيعابية لإعادة تحويل الغاز المسال، واضطر محطات التوليد إلى حرق المازوت الأعلى تكلفة والأكثر إضراراً بالبيئة لتغطية ذروة الأحمال الصيفية التي تراوحت بين 37 و39 غيغاواط.
خفض سعر الصرف وتراكم الديون بين الوزارات
أحكم تحرير سعر صرف الجنيه المصري في مارس 2024 حلقة الضغوط المالية على القطاع. فمع انخفاض قيمة الجنيه أمام الدولار الأمريكي ليتحرك من مستويات 30.9 جنيه إلى نحو 48-50 جنيهاً للدولار، ارتفعت فوراً التكاليف المقومة بالعملة الأجنبية، والتي تشمل شحنات الغاز المسال المستورد، وقطع غيار المحطات، والتوربينات ومعدات الشبكة.
أدى هذا الارتفاع إلى تشابك مالي حاد وتراكم الديون المتداخلة بين الوزارات (الكهرباء والبترول). وتكشف أرقام وزارة الكهرباء ووزارة البترول عن واقع مالي معقد:
- سحب الوقود الشهري: تسحب محطات الكهرباء شحنات غاز ومازوت من وزارة البترول بقيمة تتراوح بين 24 و31 مليار جنيه مصري شهرياً.
- التسديد السابق: كانت وزارة الكهرباء تسدد سابقاً مبالغ تتراوح بين 8 و9 مليارات جنيه مصري شهرياً فقط من إجمالي مسحوباتها.
- تراكم الديون: أدى هذا الفارق الشهري إلى تراكم ديون مستحقة لوزارة البترول بلغت 495 مليار جنيه مصري بنهاية يوليو 2026 (ارتفاعاً من 480 مليار جنيه في يونيو 2026 و390 مليار جنيه بنهاية عام 2025).
وبحسب الإعلانات الحكومية الصادرة في أغسطس 2026، فإن 75% من العوائد الإضافية المتوقعة من رفع أسعار الكهرباء (والتي تُقدر بنحو 40 مليار جنيه مصري سنوياً) ستوجّه مباشرة إلى وزارة البترول، لرفع قيمة التسديد الشهري إلى نحو 11 إلى 12 مليار جنيه، بما يضمن استمرار تدفق شحنات الوقود وتأمين انتظام التيار.
هيكل الشرائح المحدث: من يتحمل الزيادة ومن يُستثنى؟
تعتمد مصر نظام الشرائح التراكمية في حساب الاستهلاك المنزلي، حيث يتحدد سعر الكيلوواط/ساعة بناءً على إجمالي الاستهلاك الشهري للأسرة. وقد تضمن القرار الصادر في 31 يوليو والناقض للتطبيق اعتبارات من 1 أغسطس 2026 رفع التعريفة بمتوسط 12% عبر معظم الشرائح المنزلية، مع حماية الشريحة الأولى للاستهلاك المنزلي (Tier 1).
الشرائح المنزلية المحدثة اعتبارات من أغسطس 2026
- الشريحة الأولى (من 0 إلى 50 كيلوواط/ساعة): ثبت السعر عند 0.68 جنيه مصري دون أي زيادة (0.0%)، لحماية نحو 14 مليون مشترك من ذوي الدخل المنخفض.
- الشريحة الثانية (من 51 إلى 100 كيلوواط/ساعة): ارتفع السعر إلى 0.87 جنيه مصري (ويصل إلى 0.95 جنيه في أوقات الذروة)، مقارنة بـ 0.78 جنيه سابقاً (زيادة بـ 11.5% إلى 21.8%).
- الشريحة الثالثة (من 101 إلى 200 كيلوواط/ساعة): ارتفع السعر إلى 1.06 جنيه مصري (أو 1.15 جنيه في الذروة)، مقارنة بـ 0.95 جنيه سابقاً (زيادة بـ 11.6% إلى 21.1%).
- الشريحة الرابعة (من 201 إلى 350 كيلوواط/ساعة): ارتفع السعر إلى 1.74 جنيه مصري مقارنة بـ 1.55 جنيه (زيادة بـ 12.3%).
- الشريحة الخامسة (من 351 إلى 650 كيلوواط/ساعة): ارتفع السعر إلى 2.18 جنيه مصري مقارنة بـ 1.95 جنيه (زيادة بـ 11.8%).
- الشريحة السادسة (من 651 إلى 1000 كيلوواط/ساعة): ارتفع السعر إلى 2.35 جنيه مصري مقارنة بـ 2.10 جنيه (زيادة بـ 11.9%).
- الشريحة السابعة (أكثر من 1000 كيلوواط/ساعة): حدد السعر بـ 2.58 جنيه مصري (بعد زيادته بنسبة 15.7% في أبريل 2026 مقارنة بـ 2.23 جنيه سابقاً).
وتطبق المحاسبة تراكمياً للشرائح حتى 650 كيلوواط/ساعة. أما في حال تجاوز استهلاك المشترك 650 أو 1000 كيلوواط/ساعة، فيُلغى خصم الشرائح الأدنى، ويُعاد حساب إجمالي الاستهلاك كاملاً بسعر موحد أعلى.
فائض قدرات التوليد مقابل نقص الوقود
من الأخطاء الشائعة تفسير أزمة الكهرباء في مصر على أنها "عجز في محطات الإنتاج". فالواقع الشبكي يؤكد أن مصر تمتلك قدرات توليد مركب تتجاوز 58 غيغاواط، وذلك عقب استثمارات ضخمة شُيدت بموجبها محطات الدورة المركبة الكبرى بالتعاون مع شركة سيمنس بعد عام 2015.
إلا أن المشكلة الحقيقية تتمثل في توفر الوقود التشغيلي وتكلفته وليست في الطاقة الاستيعابية للمحطات. فالمحطات الفائضة تحتاج إلى تدفقات منتظمة من الغاز والمازوت، وهو ما اصطدم بعائق النقد الأجنبي اللازم للاستيراد من جهة، وانخفاض الإنتاج المحلي من جهة أخرى.
وفي مسعى لتغيير هذا الواقع، تسعى الحكومة المصرية إلى تسريع الانتقال إلى الطاقة النظيفة. إذ تتشكل قدرات التوليد الحالية من:
- الغاز الطبيعي: يغطي 79% إلى 82%.
- الطاقة منخفضة الكربون: توفر نحو 14% (تتوزع بين 7% للطاقة المائية، و4% لطاقة الرياح، و3% للطاقة الشمسية).
وتستهدف الخطة الحكومية رفع حصة الطاقة المتجددة إلى 42% بحلول عام 2030، مع إدخال قدرات عاجلة بقدرة 2,200 إلى 2,500 ميغاواط من طاقة الرياح والشمس للخدمة في أواخر عام 2026، لتوفير نحو 100 مليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي يومياً.
الالتزامات الدولية والتحليل الاقتصادي
تتقاطع تحركات تسعير الطاقة في مصر مع الاتفاقات المبرمة مع المؤسسات المالية الدولية. ففي مارس 2024، وافق صندوق النقد الدولي على زيادة برنامج تسهيل الصندوق الممدد لمصر من 3 مليارات إلى 8 مليارات دولار. وتضمن البرنامج اشتراطات هيكلية تقضي بالإلغاء التدريجي لدعم الطاقة لتحقيق الاستقرار المالي المستدام، مع توجيه الحماية الاجتماعية للفئات الأشد احتياجاً.
وفي حين تطرح الحكومة القرارات كخطوة ضرورية لحماية الشبكة القومية وسداد مستحقات قطاع البترول وضمان عدم انقطاع التيار، يشير المحللون الاقتصاديون إلى أثر هذه الزيادات على معدلات التضخم. فرغم تراجع التضخم من مستوياته القياسية البالغة 38% في أواخر 2023 إلى خانة العشرات الأدنى، فإن الارتفاع التراكمي في أسعار المرافق والأنشطة التجارية (التي ارتفعت تعريفاتها بنحو 20% في أبريل 2026) ينتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والخدمات النهائية، مما يضغط على القوة الشرائية للطبقتين المتوسطة والمنخفضة.
التداعيات وجوانب عدم اليقين
تظهر أدلة المتابعة الميدانية والاقتصادية جملة من التداعيات المباشرة:
- الضغط على ميزانيات الأسر: ستشهد الأسر في الشرائح المتوسطة (200 إلى 650 كيلوواط/ساعة) زيادة في فواتيرها بنسب تراوح بين 11% و12.3%، وتتزامن هذه الزيادة مع ذروة الاستهلاك الصيفي واستخدام التكييفات.
- تحفيز الطاقة الشمسية للقطاع الخاص: يُسهم ارتفاع أسعار الشرائح العليا والأنشطة التجارية في تقليل الفترة الزمنية اللازمة لاسترداد تكلفة تركيب الخلايا الشمسية فوق أسطح المباني والمصانع، مما يدفع المؤسسات والقطاع الخاص نحو الاعتماد على الطاقة الشمسية الذاتية.
- عدم الإلغاء الكامل للدعم: تثبت أرقام الموازنة أن الدعم لم يُلغَ بالكامل في عام 2026، بل تم رفع مخصصاته إلى 100 مليار جنيه للتعامل مع فرق العملة وتكاليف الوقود، على أن يتواصل التخفيض التدريجي في السنوات التالية.
وتظل هناك متغيرات غير محسومة قد تؤثر على هذا المسار، أبرزها اتجاهات أسعار النفط والغاز المسال عالمياً في حال استمرار التوترات الإقليمية، ومدى سرعة ربط مشروعات الطاقة المتجددة الجديدة بالشبكة القومية قبل نهاية عام 2026 لتخفيف فاتورة استيراد الغاز، إلى جانب آليات جدولة الديون المتبقية بين وزارتي الكهرباء والبترول على المدى المتوسط.