Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
EXPLAINERS

صورة الصحناوي ونتنياهو في واشنطن: الحدود القانونية والسياسية للإجراءات القضائية في بيروت

أعادت أزمة ظهور المصرفي اللبناني أنطون الصحناوي إلى جانب بنيامين نتنياهو تسليط الضوء على قانون مقاطعة إسرائيل والمحددات الدستورية لمفهوم التمثيل الخارجي، مستوجبة صدور بلاغ بحث وتحرٍّ بحقه في بيروت، وسط تمييز حاسم بين مخالفة حظر التواصل والتفاوض السياسي الرسمي.

تحول عشاء أقيم في العاصمة الأمريكية واشنطن إلى قضية رأي عام وملاحقة قضائية في لبنان، عقب انتشار صورة تجمع المصرفي ورجل الأعمال اللبناني أنطون الصحناوي برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على طاولة واحدة. وفي حين تحركت النيابة العامة التمييزية في بيروت للتحقق من الواقعة وإصدار بلاغ بحث وتحرٍّ بحق الصحناوي استناداً إلى قوانين المقاطعة النافذة، فتح هذا الجدل نقاشاً واسعاً في الأوساط السياسية والقانونية حول الحدود الفاصلة بين فعل التواصل المادي الموجب للملاحقة الجزائية، وبين التفاوض السياسي أو تمثيل الدولة المحصور دستورياً بجهات محددة.

كواليس عشاء واشنطن ونتائج التحقق الفني من الصور

أقيم اللقاء مساء الاثنين 27 يوليو 2026 في مطعم «بوربون ستيك» بفندق «الفور سيزونز» بالعاصمة الأمريكية واشنطن، في إطار عشاء تأبيني تكريماً للسيناتور الأمريكي الراحل ليندسي غراهام، الذي توفي في 11 يوليو 2026. وتولى تنظيم الحدث واستضافته المصرفي اللبناني أنطون الصحناوي وشريكته مورغان أورتاغوس، المتحدثة السابقة باسم وزارة الخارجية الأمريكية.

وشهد العشاء مشاركة رفيعة المستوى ضمت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وزوجته سارة والسفير الإسرائيلي يحيئيل لايتر، إلى جانب 16 سيناتوراً أمريكياً من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، ومسؤولين بارزين في الإدارة الأمريكية. وعقب انتشار صور المناسبة التي نشرها الصحفي الإسرائيلي باراك رافيد والحساب الرسمي لنتنياهو في 28 يوليو 2026، أثارت مشاهد الصحناوي جالساً على الطاولة الرئيسية مباشرة مقابل نتنياهو غضباً واسعاً في بيروت.

وعلى أثر الشكوى المقدمة أمام القضاء اللبناني، كلف النائب العام التمييزي مكتب المعلوماتية في قوى الأمن الداخلي بالتحقق الفني من المواد المصورة المتداولة. وأكد التقرير الفني الصادر عن شعبة المعلومات أن الصورة التي تظهر الصحناوي ونتنياهو على مائدة واحدة حقيقية بنسبة كاملة ولم تعرض لأي تعديل رقمي أو معالجة تقنية. وفي المقابل، كشفت عمليات تقصي الحقائق التي أجرتها وسائل إعلام لبنانية أن صورة أخرى جرى تداولها بالتزامن عبر منصات التواصل تظهر الصحناوي ينظر للكاميرا ويرفع إبهامه هي صورة مفبركة أُنشئت باستخدام الذكاء الاصطناعي بناءً على الصورة الأصلية.

البند التفاصيل المؤكدة المصدر الأساسي
التاريخ والوقت مساء الاثنين 27 يوليو 2026 النيابة العامة والتقرير الفني
المكان مطعم «بوربون ستيك» – فندق الفور سيزونز، واشنطن التحقيقات الجنائية
المناسبة عشاء تأبيني للسيناتور الراحل ليندسي غراهام الجهة المستضيفة
الإجراء القضائي بلاغ بحث وتحرٍّ لمدة 30 يوماً النيابة العامة التمييزية ببيروت

الإطار التشريعي اللبناني وموجبات الملاحقة القضائية

يعتمد النظام القانوني اللبناني ركيزتين تشريعيتين حازمتين في حظر أي شكل من أشكال التواصل أو التعامل مع إسرائيل:

  • قانون مقاطعة إسرائيل لعام 1955: تحظر المادة الأولى منه حظراً تاماً على كل شخص طبيعي أو معنوي في لبنان أن يعقد، بالذات أو بالواسطة، أي اتفاق أو صفقة مع الهيئات أو الأشخاص المقيمين في إسرائيل أو العاملين لحسابها، سواء كان موضوع الصفقة تجارياً أو مالياً أو أي تعامل آخر أياً كانت طبيعته. وتفرض المادة السابعة عقوبات تصل إلى الأشغال الشاقة المؤقتة من 3 إلى 10 سنوات.
  • قانون العقوبات اللبناني: تجرم المادة 285 الدخول إلى أراضي العدو دون إذن سابق، أو القيام بأي تجارة أو مبادلة أو تواصل مباشر أو غير مباشر مع رعايا العدو. كما تعاقب المواد 275 و278 و286 على أفعال الاتصال بدولة عدوة أو تسهيل عملياتها المالية أو القيام بأعمال تضر بالأمن القومي.

وبناءً على هذه النصوص، تقدم أكثر من 20 محامياً بطلبات وإخبارات رسمية أمام النيابة العامة التمييزية ببيروت في 29 يوليو 2026. وعلى إثر ثبوت صحة الصورة فنياً، أصدر القاضي أحمد رامي الحاج، بين 29 و30 يوليو 2026، بلاغ بحث وتحرٍّ لمدة 30 يوماً بحق الصحناوي. ويستوجب هذا القرار التوقيف الفوري للصحناوي واقتياده للتحقيق في حال دخوله الأراضي اللبنانية عبر أي من المعابر الحدودية، حيث يتواجد حالياً في الولايات المتحدة.

ويرتكز الاجتهاد القضائي اللبناني إلى التفريق بين المسار الجرمي المادي والمسار الأمني؛ فملاحقة أي مواطن بتهم الخيانة العظمى والتجسس تستدعي إثبات القصد الجرمي (النية الجرمية) والتنسيق الاستخباري الذي يضر بأمن الدولة. أما بموجب قانون مقاطعة إسرائيل لعام 1955 والمادة 285، فإن مجرد فعل الاجتماع أو الاستضافة أو التواصل المادي مع مسؤول إسرائيلي يمثل مخالفة قائمة بذاتها توفر للنيابة العامة السند المادي الكافي للتحريك الجزائي، بصرف النظر عن مضامين الأحاديث أو وجود تبادل لمعلومات سرية. وتُعيد هذه الواقعة إلى الأذهان سابقة استدعاء القضاء اللبناني للمدير التنفيذي السابق لشركة نيسان كارلوس غصن عام 2020 لاستجوابه بشأن زيارة سابقة لإسرائيل، استناداً إلى المادة نفسها.

الضوابط الدستورية وحدود «الدبلوماسية غير الرسمية»

ثمة خط فاصل في الدستور اللبناني بين صفة المواطن الخاص وبين صلاحية إبرام الاتفاقات أو ممارسة التفاوض السياسي نيابة عن الدولة:

  • المادة 52 من الدستور: تنص بوضوح على أن رئيس الجمهورية يتولى المفاوضات في إبرام المعاهدات الدولية بالاتفاق مع رئيس الحكومة، ولا تصبح نافذة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء.
  • المادة 65 من الدستور: تمنح السلطة الإجرائية وتحديد السياسة العامة للدولة حصرياً لمجلس الوزراء.

وعليه، لا يملك أي رجل أعمال أو شخصية مالية نافذة، مهما بلغت ثروته أو شبكة علاقاته الدولية، أي تفويض أو صلاحية دستورية للحديث باسم الدولة اللبنانية أو إجراء مفاوضات رسمية. ورغم الشروحات المقربة من الصحناوي التي تشير إلى انخراطه في نشاطات تندرج ضمن الدبلوماسية غير الرسمية («المسار الثاني») أو رعاية حوار الأديان، فإن القانون اللبناني لا يمنح أي حصانة أو غطاء تشريعي للحوارات الخاصة الموازية إذا شملت مسؤولين إسرائيليين.

ولما كان تشكيل الوفود التفاوضية الرسمية — مثل مفاوضات ترسيم الحدود البحرية أو المحادثات المباشرة التي انطلقت برعاية أمريكية في واشنطن خلال أبريل 2026 — يتطلب مراسيم تنفيذية وقرارات صادرة عن السلطة التنفيذية لمنح الموفدين الغطاء القانوني، فإن اللقاءات الخاصة التي يجريها الأفراد خارج هذا الإطار تظل خاضعة للتقييم الجزائي والقضائي دون أي حصانة دستورية.

النفوذ المالي والسياسي والتوصيفات المتنازع عليها

يرتبط اسم أنطون الصحناوي، المولود عام 1972، بنفوذ واسع في القطاع المصرفي كرئيس لمجلس إدارة بنك SGBL ومجموعة ريشليو المالية. وشهدت فترة الأزمة المالية اللبنانية التي اندلعت في أكتوبر 2019 ملاحقات ودعاوى قضائية من المودعين ضد إدارة البنك بخصوص القيود المفروضة على السحوبات، وهي أزمة تعزوها إدارة البنك إلى السياسات المالية للدولة. وإلى جانب نشاطه المصرفي، يمتلك الصحناوي استثمارات إعلامية وثقافية، أتاحت له بناء علاقات وثيقة مع أطراف سياسية بارزة، لا سيما الأحزاب والشخصيات المسيحية المناهضة لحزب الله مثل حزب القوات اللبنانية وحزب الكتائب.

وفي هذا السياق، يبرز استخدام مصطلح «الرئيس الخفي» أو «صانع الملوك» في الخطاب السياسي والإعلامي لخصومه (خصوصاً الوسائل والمنابر المحسوبة على قوى 8 آذار ومناهضي التطبيع). ويُستخدم هذا المصطلح بوصفه اتهاماً وتوصيفاً سياسياً للانتقاد والنقد الحاد لنفوذه المصرفي واستثماراته وتغطياته الإعلامية وتمويله السياسي، وليس بوصفه صفة رسمية أو وضعاً دستورياً أو واقعاً ثابتاً.

من جهة أخرى، برز دور علاقته الشخصية بمورغان أورتاغوس — المتحدثة السابقة باسم الخارجية الأمريكية والتي ارتبط بها عقب انفصالها أواخر عام 2025 — في تسهيل تواجد الصحناوي في الفعاليات السياسية رفيعة المستوى بواشنطن. وكان من أبرزها مشاركته في أبريل 2026 في فعاليات متحف ذكرى المحرقة بواشنطن وإدراج اسمه على لوحة كبار الداعمين، وصولاً إلى استضافة عشاء يوليو 2026.

وترى أطراف الادعاء والجهات الشاكية أن استضافة رئيس وزراء دولة عدوة والجلوس معه على مائدة واحدة في ظل استمرار العمليات العسكرية يشكل فعل تطبيع صريح ومحاولة لاستغلال العلاقات الخارجية. وفي المقابل، توضح مصادر مقربة من الصحناوي أن المناسبة كانت حدثاً تأبينياً خاصاً للسيناتور غراهام أقيم في الولايات المتحدة بحضور مسؤولين أمريكيين، وأن نتنياهو حضر بصفته ضيف شرف لعلاقته بالسيناتور الراحل، مشددة على أن الصحناوي مستثمر ورجل أعمال لا يشغل أي موقع رسمي في الدولة.

التكييف الفعلي لما تثبته الواقعة وما لا تثبته

في حصيلة المعطيات الأدلتية والقانونية، تقدم صورة العشاء في واشنطن حدوداً واضحة بين ما يمكن إثباته وما يظل ادعاءً أو تأويلاً سياسياً:

أولاً: ما تثبته الصورة معطيات وحقائق

  • قانونياً: تثبت الصورة وقوع الفعل المادي للتواجد والتواصل على طاولة واحدة مع مسؤول في دولة عدوة، وهو ما يوفر للنيابة العامة التمييزية السند المادي اللازم لإصدار بلاغ بحث وتحرٍّ بموجب قانون مقاطعة إسرائيل لعام 1955 والمادة 285 من قانون العقوبات.
  • سياسياً: تثبت امتلاك الصحناوي شبكة اتصالات ونفوذ رفيعة المستوى داخل أوساط القرار في الحزبين الجمهوري والديمقراطي والدوائر الإسرائيلية في واشنطن، بالاستفادة من شراكته مع أورتاغوس.

ثانياً: ما لا تثبته الصورة

  • دستورياً: لا تثبت الصورة أن الصحناوي يحمل أي صفة تفاوضية أو صفة رسمية لتمثيل الدولة اللبنانية أو إجراء محادثات باسمها، حيث تنحصر هذه الصلاحيات بالمؤسسات التنفيذية الرسمية.
  • جنائياً: لا تثبت الصورة ارتكاب جرم الخيانة العظمى أو التجسس أو إفشاء أسرار أمنية، إذ يتطلب هذا التكييف إثبات القصد الجرمي (النية الجرمية) وأدلة مادية تفيد بالتعامل الاستخباري والإضرار بالأمن القومي.
  • سياسياً: لا تثبت الصورة ادعاءات ممارسة دور «الرئيس الخفي» للبلاد، إذ يظل هذا التوصيف مجرد مقولة وهجوم سياسي من المنافسين والخصوم الإعلاميين للتقليل من شرعية نفوذه المالي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى