رسالة من قلب “إيتوروب”: كيف أنهت زيارة بوتين لكوريل ثمانية عقود من الرهان الدبلوماسي الياباني؟
يمثل هبوط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في جزيرة إيتوروب نقطة تحول استراتيجية تجسد الإغلاق النهائي لمفاوضات معاهدة السلام بين موسكو وطوكيو الممتدة منذ الحرب العالمية الثانية، مكرساً سيادة روسية مطلقة على الأرخبيل المتنازع عليه.
في 13 أغسطس 2026، هبط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في جزيرة إيتوروب (التي تطلق عليها اليابان اسم إيتوروفو)، وهي أكبر الجزر الأربع المتنازع عليها في أرخبيل جزر الكوريل الجنوبية. ورغم أن مسؤولين روساً كباراً زاروا السلسلة البحرية سابقاً، فإن وصول بوتين الشخصي ولأول مرة طوال ربع قرن قضاها في السلطة، تحوّل إلى الحدث الذي أطلق شرارة احتجاج دبلوماسي ياباني حاد، معلناً الدفن الرسمي والفعلي لآمال طوكيو في استعادة ما تسميه "الأراضي الشمالية".
تفاصيل الزيارة الأولى ورسائل موسكو في إيتوروب
تأتي زيارة فلاديمير بوتين إلى جزيرة إيتوروب لتفي بوعد قطعه في أواخر عام 2024 بزيارة الأرخبيل، لكنها تفصل عملياً بين مرحلتين في تاريخ العلاقات الروسية اليابانية. فبينما زار الرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف جزيرة كوناشير في نوفمبر 2010 ثم أتبعها بزيارات كررها كرئيس للوزراء في أعوام 2012 و2015 و2019، لم يسبق لبوتين أن وطأت قدمه هذه الجزر منذ وصوله إلى الحكم عام 2000.
شملت جولة بوتين الميدانية تفقد مجمع "ياسني" لمعالجة الأسماك في قرية كيتوفوي، ومعاينة خطوط إنتاج بيوض الأسماك والمنتجات البحرية، وزيارة مدرسة ثانوية تحمل اسم بطل روسيا إدوارد نوربولوف في مدينة كوريلسك، ومستشفى محلي، إضافة إلى عقد اجتماع مع حاكم منطقة سخالين فاليري ليمازينكو.
ولم يتأخر الرد الياباني؛ إذ أصدر وزير الخارجية توشيميتسو موتيغي بياناً احتجاجياً رسمياً أكد فيه أن "الأراضي الشمالية، بما فيها إيتوروفو، هي أراضٍ أصيلة لليابان تاريخياً وبموجب القانون الدولي"، مشدداً على رفض طوكيو الشديد لخطوة الكرملين.
الجذور التاريخية لنزاع "الأراضي الشمالية" وثغرات المعاهدات
يعود النزاع إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن جذوره الدبلوماسية تمتد إلى القرن التاسع عشر:
- معاهدة شيمودا (1855): أُبرمت بين الإمبراطورية الروسية واليابان، وأقرت بالسيادة اليابانية على الجزر الأربع الجنوبية (إيتوروب، كوناشير، شيكوتان، وجزر هابوماي)، بينما منحت الجزر الشمالية لروسيا.
- معاهدة سانت بطرسبرغ (1875): تنازلت اليابان عن مطالبها في جزيرة سخالين لصالح روسيا مقابل الحصول على السيادة الكاملة على كامل سلسلة جزر الكوريل.
- معاهدة بورتسموث (1905): عقب هزيمة روسيا في الحرب الروسية اليابانية، استعادت طوكيو النصف الجنوبي من جزيرة سخالين.
- اتفاقية يالتا (فبراير 1945): وقّع قادة التحالف (روزلفت، وتشرشل، وستالين) اتفاقاً سرياً يضمن حصول الاتحاد السوفيتي على جزر الكوريل وجنوب سخالين مقابل دخوله الحرب ضد اليابان.
- السيطرة السوفيتية (أغسطس 1945): عقب إعلان اليابان استسلامها في 15 أغسطس 1945، سيطرت القوات السوفيتية على الأرخبيل، وقامت بين عامي 1945 و1949 بتهجير جميع السكان اليابانيين البالغ عددهم حينها نحو 17,000 نسمة.
- معاهدة سان فرانسيسكو (1951): وقّعت اليابان المعاهدة وتنازلت بموجبها عن "جميع الحقوق والادعاءات في جزر الكوريل". إلا أن الاتحاد السوفيتي امتنع عن التوقيع، فيما دفعت طوكيو لاحقاً بأن الجزر الأربع الجنوبية لا تندرج مجالسياً وتاريخياً تحت مسمى "جزر الكوريل" الوارد في المعاهدة.
في عام 1956، وقّع الطرفان "الإعلان المشترك السوفيتي الياباني" الذي أنهى حالة الحرب واستأنف العلاقات الدبلوماسية. ونصت المادة 9 من الإعلان على موافقة موسكو على تسليم جزيرتي شيكوتان وهابوماي لاليابان عقب إبرام معاهدة سلام رسمية. لكن ضغوط الحرب الباردة، والاعتراضات السياسية الداخلية في طوكيو، والمطالب الأمريكية المتعلقة بانتشار القوات، عطلت تطبيق ذلك البند.
الأهمية الجيواستراتيجية و"حصن بحر أوخوتسك"
تمتد جزر الكوريل على شكل قوس طبيعي بطول 1,200 كيلومتر يفصل بحر أوخوتسك عن المحيط الهادئ المفتوح، وتبلغ مساحة الجزر الأربع المتنازع عليها نحو 5,000 كيلومتر مربع، تقطنها حالياً أغلبية روسية تصل إلى نحو 20,000 نسمة.
تتوزع مساحة الجزر بين:
- جزيرة إيتوروب: نحو 3,184 كيلومتراً مربعاً (الأكبر مساحة والتي زارها بوتين).
- جزيرة كوناشير: نحو 1,490 كيلومتراً مربعاً.
- جزيرة شيكوتان: نحو 250 كيلومتراً مربعاً.
- جزر هابوماي: نحو 100 كيلومتر مربع (مجموعة صخور وجزر صغيرة غير مأهولة).
تكمن الأهمية العسكرية الحاسمة للجزر في وجود مضايق بحرية عميقة خالية من الجليد طوال العام، مثل "مضيق كاثرين" الواقع بين إيتوروب وكوناشير. يتيح التحكم في هذه المضايق لأسطول المحيط الهادئ الروسي والغواصات النووية الحاملة للصواريخ الباليستية (SSBNs) المتركزة في فلاديفوستوك وكامتشاتكا المرور الخفي والآمن إلى المحيط الهادئ دون الحاجة للمرور عبر منافذ تسيطر عليها اليابان أو حلفاؤها.
يحول هذا الترتيب الجغرافي بحر أوخوتسك إلى معقل أو حصن استراتيجي محمي، تستطيع فيه غواصات الرادع النووي الروسي المناورة بعيداً عن أجهزة الرصد الغربية. وإلى جانب القيمة العسكرية، تتمتع المنطقة بأهمية اقتصادية؛ إذ تضم واحدة من أغنى مصايد الأسماك عالمياً (السلمون، والتونة، والهلبوت)، إضافة إلى احتواء بركان "كودريافي" في إيتوروب على أندر التركيزات العالمية لمعدن الرينيوم الحيوية لصناعة المحركات النفاثة والصاروخية.
انهيار مسار شينزو آبي والحائط الدستوري الروسي
شهدت الفترة بين عامي 2016 و2018 محاولة جادة من رئيس الوزراء الياباني السابق شينزو آبي للتوصل إلى تسوية تاريخية؛ إذ التقى بوتين 27 مرة، وطرح خطة تعاون اقتصادي من 8 نقاط، ملمحاً إلى إمكانية قبول اليابان باستعادة جزيرتي شيكوتان وهابوماي بناءً على صيغة عام 1956.
إلا أن المفاوضات اصطدمت بشروط موسكو التي اشترطت اعترافاً يابانياً كاملاً ببيعة الجزر لروسيا كحرية مكتسبة من نتائج الحرب العالمية الثانية، وتقديم ضمانات بعدم إنشاء قواعد عسكرية أمريكية على الجزر بموجب معاهدة الأمان اليابانية الأمريكية—وهو شرط لم تمتك طوكيو الهامش السياسي لتلببيته.
وفي يوليو 2020، اعتمدت روسيا تعديلات دستورية شملت المادة 67.2 التي حظرت صراحة اقتطاع أي أجزاء من الأراضي الروسية أو التنازل عنها لأي دولة أجنبية، مما جعل تقديم أي تنازلات إقليمية في جزر الكوريل عملاً غير دستوري ومجرماً بقوة القانون الداخلي.
تأكد هذا الانغلاق في مارس 2022؛ فعقب انضمام اليابان إلى عقوبات مجموعة السبع ضد موسكو إثر الحرب في أوكرانيا، أعلنت الخارجية الروسية إنهاء محادثات معاهدة السلام رسمياً، وإلغاء برنامج دخول المواطنين اليابانيين السابقين بدون تأشيرة، وتجميد المشاريع الاقتصادية المشتركة في الجزر.
حدود الرد الياباني ومعادلة الطاقة الحرجة
رغم نبرة الاحتجاج الياباني الحادة التي عبر عنها توشيميتسو موتيغي، تظهر التحليلات الدبلوماسية والاقتصادية أن خيارات طوكيو للرد الزجري تظل مقيدة بواقعيتها الطاقية.
فاليابان لم تتجه نحو الانسحاب من المشاريع النفطية والغازية المشتركة في شرق روسيا، وعلى رأسها مشروع "سخالين-2" للغاز الطبيعي المسال، نظراً لاعتماد الشبكة اليابانية الأكيد على إمدادات الغاز الإقليمية لتأمين أمن الطاقة المحلي.
ولا تدل المعطيات على أن الطرفين يتجهان نحو مواجهة عسكرية وشيكة حول الأرخبيل، بل تعكس الزيارة تثبيتاً لواقع سياسي وجغرافي قائم ينهي التعويل على المسارات التفاوضية التقليدية.
إعادة تشكيل المعادلة الأمنية في شمال شرق آسيا
تترك زيارة بوتين الميدانية مجموعة من الآثار المباشرة الملموسة على البنية الأمنية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ:
- الدفن النهائي لمعاهدة السلام: غدا إبرام معاهدة سلام رسمية تنهي حالة الحرب النظرية لعام 1945 أمراً خارج الحسابات السياسية في المستقبل المنظور.
- تسريع التسلح الياباني الشمالي: يدعم الانتشار العسكري الروسي في الكوريل توجه طوكيو لزيادة ميزانيتها الدفاعية، ونشر بطاريات صواريخ مضادة للسفن في جزيرة هوكايدو الشمالية، وتعميق الشراكة الثلاثية مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية.
- تكامل المحور الإقليمي: يكرس التزامن بين المناورات البحرية الروسية والتجارب الصاروخية لكوريا الشمالية اتساع مساحة التنسيق بين القوى المناهضة للنفوذ الغربي في شمال شرق آسيا.
تُمحى بذالك إمكانية العودة إلى تسويات منتصف القرن الماضي، لتتحول جزر الكوريل من ملف تفاوضي مؤجل إلى خط دفاعي روسي ثابت ومكتمل المعالم على شواطئ المحيط الهادئ.