كركوك-بانياس: تفويض يفتح طريق المتوسط ولا يعيد الصادرات بعد
موافقة بغداد المعلنة تنقل المشروع من فكرة سياسية إلى مسار تعاقدي، لكن تشغيله يحتاج اتفاقاً نافذاً وفحصاً فنياً وتمويلاً وترتيبات عبور وتشغيل في بانياس.
أعاد الإعلان عن موافقة مجلس الوزراء العراقي، في السادس والعشرين من يوليو ٢٠٢٦، على تخويل مدير شركة نفط البصرة تنفيذ اتفاق مع وزارة النفط السورية بشأن خط كركوك-بانياس، واحداً من أقدم مسارات النفط في المشرق إلى واجهة الحسابات العراقية. فالفكرة التي ظلت خلال العام الماضي مطروحة في إطار مباحثات ولجان فنية، تبدو اليوم أقرب إلى تفويض حكومي يتيح الانتقال إلى التفاوض أو التنفيذ التعاقدي، وفق ما ذكرته ذا صنداي غارديان.
لكن أهمية الخطوة لا تكمن في أنها تعني عودة الصادرات فوراً عبر المتوسط. قيمتها الفعلية أنها تضع المشروع على عتبة أكثر جدية: عتبة تحويل الإرادة السياسية إلى وثائق نافذة وأعمال هندسية وتمويل وترتيبات تشغيلية بين دولتين. وهذا هو الفاصل الذي ينبغي الوقوف عنده. فخط أنابيب عابر للحدود لا يعود إلى العمل بقرار إداري وحده، بل عبر سلسلة مترابطة من الموافقات والعقود والفحوص الفنية والتجارب العملية، قبل أن يصبح منفذاً صالحاً لتصدير الخام.
الفارق الجوهري هنا أن التفويض يخلق مساراً قانونياً، ولا يخلق قدرة تصديرية.
ماذا يعني التخويل العراقي؟
بحسب تقرير ذا صنداي غارديان، وافق مجلس الوزراء العراقي على تخويل مدير شركة نفط البصرة تنفيذ اتفاق مع وزارة النفط السورية لإعادة تشغيل مشروع خط النفط العراقي السوري التاريخي. ووصف التقرير الأداة بأنها تأتي في إطار مذكرة تفاهم، مع بدء العراق العمل على توسيع وتأهيل خط كركوك-بانياس القديم لتصدير الخام وصولاً إلى ميناء بانياس على الساحل السوري.
هذه الصياغة تضع التطور في موقع وسط بين الإعلان السياسي والتشغيل الفعلي. فالتخويل، في العادة، يمنح الجهة التنفيذية صلاحية التحرك ضمن حدود قرار حكومي، لكنه لا يغني عن اتفاق عابر للحدود يحدد الالتزامات، ولا عن عقود تفصيلية للأعمال، ولا عن ترتيبات القياس والضخ والخزن والتحميل والرسوم والمسؤوليات. وحتى إذا كان المسار قد دخل مرحلة مذكرة التفاهم أو الاتفاق، تبقى الحاجة قائمة إلى تحديد ما إذا كان النص يمنح حق التفاوض، أم التوقيع، أم مباشرة التنفيذ، أم مزيجاً من ذلك.
الطبيعة القانونية لشركات النفط الحكومية العراقية تساعد في فهم سبب الحاجة إلى قرار من هذا النوع. فوثائق تأسيس شركة نفط الجنوب، بوصفها شركة عامة تابعة لوزارة النفط، تورد ضمن أنشطتها إنتاج الخام ومعالجته وخزنه وضخه إلى المستهلكين المحليين ومنافذ التصدير، وتشغيل وصيانة منظومات الأنابيب وأرصفة التصدير. كما تشير الوثائق إلى أن الشركة أُسست وسُجلت استناداً إلى قانون الشركات العامة رقم ٢٢ لسنة ١٩٩٧، وتخضع له. وتجيز هذه الوثائق المشاركة أو الاستثمار مع شركات عربية وأجنبية خارج العراق والاقتراض الخارجي، لكن بعد استحصال الموافقات اللازمة. هذا لا يحسم تفاصيل دور شركة نفط البصرة في الملف الحالي، لكنه يوضح أن العمل النفطي العابر للحدود يحتاج عادة إلى غطاء حكومي ومؤسسي يتجاوز القرار الفني داخل شركة واحدة.
من هنا، تبدو موافقة مجلس الوزراء خطوة تمكينية. فهي تفتح الباب أمام الجهة العراقية المعنية كي تتعامل مع الجانب السوري باسم الحكومة في مشروع حساس، لكنها لا تختصر الطريق إلى التصدير. فالوثيقة العابرة للحدود يجب أن تحدد، على الأقل، الجهة العراقية المنفذة، والجهة السورية المقابلة، ونطاق الأعمال داخل كل بلد، وكيفية تقاسم المسؤوليات، وشروط المرور، وطريقة معالجة الأعطال والمخاطر، وآليات التسوية المالية والتشغيلية.
من خط تاريخي إلى أصل متوقف يحتاج إعادة بناء
يمتلك خط كركوك-بانياس جاذبية سياسية واقتصادية لأنه يربط حقول كركوك العراقية بميناء سوري على المتوسط. ووفق وكالة الأناضول، أُنشئ الخط في عام ١٩٥٢ لنقل الخام من حقول كركوك إلى ميناء بانياس. غير أن التاريخ هنا لا يعني الجاهزية. فالوكالة أفادت بأن الخط خرج من الخدمة أكثر من مرة، وكان آخر توقف له في عام ٢٠٠٣ بعد تعرضه لأضرار جسيمة خلال الغزو الأميركي للعراق، وأنه لم يُصلح أو يُشغل منذ ذلك الحين بحسب تقريرها.
هذا التفصيل يغيّر معنى النقاش. فالحديث لا يدور عن إعادة فتح صمام مغلق منذ فترة قصيرة، بل عن أصل نفطي متوقف منذ أكثر من عقدين، يحتاج إلى تقييم شامل قبل تقرير ما إذا كان التأهيل مجدياً، وما إذا كان التوسيع ممكناً، وأي أجزاء يمكن إصلاحها وأيها يحتاج إلى استبدال أو ربط جديد. لذلك كان المسار السابق، كما ظهر في أغسطس ٢٠٢٥، أقرب إلى مرحلة الفحص. فقد بحث رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني ووزير الطاقة السوري محمد البشير في بغداد احتمال إحياء الخط، وفق بيان لمكتب رئيس الوزراء العراقي نقلته وكالة الأناضول. وقال البيان إن لجنة فنية مشتركة شُكلت لتقييم حالة الخط وبحث خيارات تأهيله ضمن جهد الحكومة لتنويع منافذ التصدير.
هذا يعني أن المشروع يحتاج أولاً إلى جواب هندسي قبل الجواب التجاري. يجب فحص جسم الأنبوب ومحطات الضخ وأنظمة القياس والتحكم، والتأكد من سلامة المسار وقدرته على تحمل التشغيل، ثم تحديد أعمال التأهيل أو التوسيع داخل الأراضي العراقية والسورية. كما يحتاج إلى ربط واضح مع منظومة النقل العراقية من جهة، ومع مرافق بانياس من جهة أخرى: الخزانات، ومرافق القياس، وخطوط التحميل، والقدرة على استقبال الخام وتصديره وفق المواصفات المطلوبة.
وتأتي بعد ذلك مرحلة التمويل والعقود. فإعادة تأهيل خط بهذا النوع لا تقوم على إعلان النية، بل على عقود هندسة وتوريد وإنشاء، ومصادر تمويل، وجدول أعمال، واختبارات سلامة وتشغيل. كما تحتاج إلى ترتيبات أمنية وتشغيلية على طول المسار، لأن الخط لا يعمل كوحدة فنية معزولة؛ إنه ممر طويل يعبر حدوداً وبنى تحتية ومناطق مختلفة، وأي نقطة ضعف فيه قد تعطل المسار كله.
لماذا يهم العراق هذا المسار؟
ترتبط أهمية كركوك-بانياس بسؤال أوسع في السياسة النفطية العراقية: كيف يمكن تقليل هشاشة الاعتماد على منافذ محدودة؟ فقد قدم تقرير ذا صنداي غارديان المشروع بوصفه جزءاً من سعي بغداد إلى توسيع خيارات التصدير خارج مسارات الخليج، معتبراً أن وجود مسار إضافي لا يعتمد على الخليج قد يقلل المخاطر على قطاع تصدير النفط العراقي. كما نشرت رويترز، في الرابع عشر من يوليو ٢٠٢٦، تقريراً يفيد بأن مسؤولاً أميركياً قال إن الولايات المتحدة تدعم جهود إحياء خط النفط الخام العراقي السوري، وهو ما يشير إلى اهتمام دبلوماسي دولي بالمسار قبل الإعلان العراقي الأخير.
السياق المالي العراقي يفسر هذه الحساسية. فقد ذكرت شفق نيوز أن الخام بقي المصدر الرئيسي لدخل العراق، مشكلاً نحو ٩٠ في المئة من الإيرادات الاتحادية ونحو ٨٤ في المئة من إجمالي دخل الحكومة خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام ٢٠٢٦. وعندما تعتمد المالية العامة بهذا القدر على مورد واحد، يصبح تنوع طرق خروجه إلى الأسواق جزءاً من إدارة المخاطر، لا مجرد خيار لوجستي.
تظهر بيانات الصادرات القائمة حجم الرهان، من دون أن تمنح بانياس وزناً مستقبلياً محدداً. فقد نقلت شفق نيوز عن شركة تسويق النفط العراقية، سومو، أن متوسط صادرات الخام من البصرة بلغ نحو ٨٧٠ ألف برميل يومياً في يونيو ٢٠٢٦، أي ثلاثة أمثال مستواه في مايو، بعد استئناف الشحن جزئياً عبر مضيق هرمز. ونقلت أيضاً عن سومو أن الصادرات عبر خط جيهان بلغت في المتوسط نحو ٢٣٠ ألف برميل يومياً في الشهر نفسه، وأن خام الحقول الاتحادية العراقية شكل نحو ١٧٦ ألف برميل يومياً من إجمالي مسار الشمال.
هذه الأرقام تبرز أن العراق لديه مسارات قائمة، خليجية وشمالية، وأن إضافة منفذ متوسطي عبر سوريا يمكن أن تعزز المرونة إذا صار قابلاً للتشغيل بحجم تجاري موثوق. غير أن الأثر الاستراتيجي لا يقاس بوجود اسم الخط على الورق، بل بالطاقة التي يمكن ضخها فعلياً، وباستقرار التشغيل، وبكلفة النقل، وبجاهزية الميناء، وبقدرة الطرفين على حماية المسار وإدارته.
إحياء كركوك-بانياس، إذا تقدم من التفويض إلى التنفيذ، قد يمنح بغداد ورقة إضافية في إدارة صادراتها، خصوصاً أن الخط يصل إلى المتوسط ويتجنب الاعتماد الكامل على مسارات الخليج. لكن هذه النتيجة مشروطة. فقبل أن يصبح بانياس منفذاً عاملاً للخام العراقي، يجب أن يتحول التفويض إلى اتفاق نافذ، وأن تتحول اللجنة الفنية إلى خطة أعمال، وأن تتحول الخطة إلى تمويل وعقود وتأهيل واختبارات تشغيل. عند تلك النقطة فقط ينتقل المشروع من خبر سياسي مهم إلى بنية نفطية قادرة على تغيير حسابات التصدير العراقية.