Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
EXPLAINERS

خطوط الكويت النفطية تتحول إلى تمويل طويل الأجل

الصفقة المنسوبة إلى مؤسسة البترول الكويتية تضع شبكة النقل في قلب نموذج خليجي يجمع سيولة فورية لشركات النفط وعوائد مستقرة لمستثمري البنية التحتية.

أحدث ما كشفته الصفقة المنسوبة إلى مؤسسة البترول الكويتية ليس قيمة الرقم وحدها، بل الطريقة التي باتت بها شركات النفط الوطنية في الخليج تعيد النظر في أصول كانت تُعامل طويلاً كجزء صامت من منظومة الإنتاج. فبحسب بيان للمؤسسة نقلته رويترز في الخامس والعشرين من يوليو ٢٠٢٦، وقعت مؤسسة البترول الكويتية صفقة تأجير وإعادة استئجار بقيمة ١٦ مليار دولار لشبكة خطوط النفط الخام، مع تحالف يضم بلاكستون وبروكفيلد وكيه كيه آر. تحمل الصفقة اسم مشروع بيريغرين، وتقوم على إنشاء مشروع مشترك بين شركة نفط الكويت، التابعة للمؤسسة، والمستثمرين العالميين الثلاثة.

إذا اكتملت الصفقة بالصيغة التي عُرضت بها، فهي لا تعني بيع النفط الكويتي ولا نقل السيطرة على الاحتياطيات. المعنى الأعمق أنها تحول جزءاً من قيمة البنية التحتية الوسيطة، أي خطوط النقل التي تربط الحقول بالمرافق ومحطات التصدير، إلى سيولة مقدمة يمكن استخدامها في تمويل خطط الإنفاق الرأسمالي للمؤسسة. هنا تكمن جاذبية النموذج: الدولة لا تتخلى عن أصلها السيادي، لكنها تسمح لمستثمرين ماليين بالمشاركة في عائد طويل الأجل مرتبط بتدفق النفط عبر الشبكة.

جوهر الصفقة أن السيولة تأتي من حق استخدام خطوط النقل، لا من بيع الاحتياطيات.

كيف يعمل نموذج التأجير وإعادة الاستئجار؟

بحسب البيان المنقول عن مؤسسة البترول الكويتية، يستمر هيكل مشروع بيريغرين لمدة ٢٠٫٥ سنة، وتتضمن التدفقات المالية تعرفة مرتبطة بحجم الكميات المنقولة. وسيحوز بلاكستون وبروكفيلد وكيه كيه آر مجتمعين ٤٩٪ من المشروع المشترك، فيما تحتفظ شركة نفط الكويت بحصة ٥١٪ وبالملكية الكاملة والسيطرة التشغيلية على الشبكة. هذه النسب ليست تفصيلاً شكلياً، لأنها ترسم الحد الفاصل بين تسييل قيمة أصل ناقل وبين التخلي عن السيطرة على منظومة الطاقة.

تشمل الشبكة، وفق البيان نفسه، ١٣ خطاً يبلغ مجموع أطوالها نحو ٣٢٠ كيلومتراً. وهي تنقل النفط الخام والمنتجات المكررة داخل الكويت، وتربط الحقول بمحطات التصدير على الخليج العربي. لذلك فإن الأصل موضوع الصفقة هو ممر نقل حيوي في سلسلة القيمة النفطية، لا حقاً في إنتاج النفط من المكامن ولا ملكية للموارد الهيدروكربونية.

الفارق بين قيمة الصفقة المعلنة والحصيلة النقدية المتوقعة مهم أيضاً. فقد نقلت رويترز عن المؤسسة أنها تتوقع ٧٫٨٥ مليار دولار كحصيلة مقدمة عند الإغلاق، وأن هذه الحصيلة ستدعم خطط الإنفاق الرأسمالي للشركة. بهذا المعنى، لا ينبغي قراءة رقم ١٦ مليار دولار كأنه مبلغ نقدي يدخل فوراً بالكامل إلى خزائن المؤسسة، بل كقيمة أوسع لترتيب طويل الأجل له تدفقات ومدفوعات وهيكل تعاقدي. ووصفت مؤسسة البترول الكويتية الصفقة بأنها أكبر استثمار أجنبي مباشر في تاريخ الكويت، بينما قال نائب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي الشيخ نواف سعود الصباح إن الصفقة «ترسل إشارة قوية إلى أن الكويت تواصل صعودها كوجهة جاذبة لرأس المال العالمي».

وجود مستشارين ماليين مثل سنترفيو بارتنرز وإتش إس بي سي وجيه بي مورغان يعزز قراءة الصفقة كعملية تمويل بنية تحتية كبيرة، لا كبيع تقليدي لأصول نفطية. في هذا النوع من العمليات، لا يدفع المستثمر لأنه يريد إدارة الإنتاج أو توجيه السياسة النفطية، بل لأنه يشتري انكشافاً مالياً على تدفقات يمكن تقديرها عبر الزمن، مدعومة بتعرفة استخدام وبأصل يصعب الاستغناء عنه في منظومة التصدير والإمداد.

من الكويت إلى أبوظبي والرياض: نمط خليجي لا نسخة واحدة

تضع رويترز صفقة مؤسسة البترول الكويتية ضمن مسعى أوسع لدى شركات النفط الحكومية والمستثمرين السياديين في الخليج لجمع أموال من أصول البنية التحتية وجذب رؤوس أموال أجنبية لتمويل خطط الاستثمار المحلية. وتأتي المقارنة هنا مفيدة بقدر ما تكشف النمط العام، لا بقدر ما تسمح باستنساخ الشروط بين صفقة وأخرى.

في السعودية، أعلنت أرامكو في السابع من ديسمبر ٢٠٢١ صفقة تأجير وإعادة استئجار بقيمة ١٥٫٥ مليار دولار تتعلق بشبكة خطوط أنابيب الغاز، مع تحالف تقوده بلاك روك ريال أسيتس وحصانة الاستثمارية. وكان مقرراً أن تستأجر شركة أرامكو لإمداد الغاز حقوق استخدام الشبكة ثم تؤجرها مجدداً إلى أرامكو لمدة ٢٠ سنة، مقابل تعرفة تدفعها أرامكو عن منتجات الغاز العابرة للشبكة، ومدعومة بالتزامات حد أدنى للكميات المنقولة. واحتفظت أرامكو بحصة ٥١٪، وبالملكية الكاملة والسيطرة التشغيلية، وأكدت أن الصفقة لا تفرض قيوداً على كميات إنتاجها.

وفي الإمارات، أعلنت أدنوك في الثالث والعشرين من يونيو ٢٠٢٠ صفقة بقيمة ٢٠٫٧ مليار دولار يستحوذ بموجبها تحالف يضم غلوبال إنفراستركشر بارتنرز وبروكفيلد وجي آي سي وأونتاريو تيتشرز وإن إتش إنفستمنت آند سيكيوريتيز وسنام على ٤٩٪ من شركة أدنوك غاز بايبلاين أسيتس. كانت هذه الشركة تملك حقوق استئجار ٣٨ خط أنابيب يبلغ مجموع أطوالها ٩٨٢٫٣ كيلومتراً، فيما احتفظت أدنوك بحصة ٥١٪. وقالت أدنوك إنها ستؤجر حصتها في أصول خطوط الغاز لمدة ٢٠ سنة، مقابل تعرفة مرتبطة بحجم الكميات المنقولة وتخضع لحد أدنى وحد أقصى، بما يدر أكثر من ١٠ مليارات دولار كحصيلة مقدمة، مع احتفاظها بالملكية والإدارة التشغيلية والمسؤولية عن النفقات التشغيلية والرأسمالية.

تتشابه هذه النماذج في عناصر أساسية: أغلبية لشركة النفط الوطنية، حصة اقتصادية أقلية للمستثمرين، عقد طويل الأجل، تعرفة مرتبطة بالكميات، وبقاء التشغيل والسيطرة داخل الشركة الحكومية. لكنها لا تعني أن كل صفقة تحمل المخاطر نفسها أو الحقوق نفسها. فالأصول مختلفة، والعملات والعقود وترتيبات الدين والضمانات تختلف، وكذلك البيئة القانونية والمحاسبية التي تحدد أثر العملية في ميزانية الشركة أو الدولة.

ما الذي يشتريه المستثمرون؟ وما الذي تحتاجه الدولة؟

بالنسبة إلى صناديق البنية التحتية والملكية الخاصة، جاذبية هذه الصفقات لا تأتي من السيطرة السياسية، بل من طبيعة التدفقات النقدية. خطوط الأنابيب أصول طويلة العمر، وتعمل في قلب نظام الطاقة، وتولد دخلاً يمكن ربطه بالتعرفة وحجم الاستخدام. لذلك وصفت أدنوك صفقة خطوط الغاز في ٢٠٢٠ بأنها فرصة استثمارية منخفضة المخاطر في البنية التحتية وتولد تدفقات نقدية مستقرة، ونقل بيانها عن بروس فلات، الرئيس التنفيذي لبروكفيلد لإدارة الأصول، أن الأصول تولد «تدفقات نقدية مستقرة ويمكن التنبؤ بها».

هذه اللغة تشرح شهية المستثمر العالمي: في بيئة يبحث فيها رأس المال طويل الأجل عن عائد يفوق السندات التقليدية من دون تحمل مخاطر تشغيلية كاملة، تبدو بنية تحتية نفطية قائمة، ضمن عقد طويل مع شركة وطنية كبيرة، أصلاً مناسباً للمحافظ الاستثمارية. المستثمر لا يراهن بالضرورة على ارتفاع أسعار النفط بالمعنى المباشر، بل على استمرار استخدام الشبكة وعلى قابلية التدفقات للتنبؤ ضمن حدود العقد.

أما بالنسبة إلى مؤسسة البترول الكويتية، فالصفقة توفر أداة تمويل مؤسسية في وقت تحتاج فيه شركات النفط الوطنية إلى إنفاق رأسمالي كبير للحفاظ على القدرة الإنتاجية وتطوير الأصول. كما أنها تمنح الكويت قناة لجذب رأس مال أجنبي إلى أصل قائم من دون طرح ملكية الاحتياطيات أو فتح ملف السيطرة على الإنتاج.

لكن أثر هذه العمليات ينبغي أن يُقرأ بحجمه الصحيح. فقد قالت فيتش للتصنيف إن إقرار الكويت قانون التمويل والسيولة، بعد تأخر طويل، يحسن مرونة التمويل المالي ويسمح للحكومة بإصدار دين للمرة الأولى منذ انتهاء العمل بقانون الدين العام السابق في ٢٠١٧. وكانت المسودة الأولية تقترح جمع نحو ٣٠ مليار دينار كويتي، أو ٩٨ مليار دولار، على مدى ٥٠ سنة. وقالت فيتش أيضاً إن الكويت تستطيع تلبية احتياجات التمويل حتى من دون قانون السيولة بفضل أصولها الكبيرة، لكن القانون يوسع خيارات التمويل ويخفض خطر تراكم ضغوط السيولة على صندوق الاحتياطي العام.

بهذا المعنى، لا يحل تسييل خطوط الأنابيب محل السياسة المالية ولا يلغي الحاجة إلى إصلاح علاقة الإيرادات بالإنفاق. وتشير فيتش إلى أن النفط يشكل نحو ٩٠٪ من صادرات الكويت و٨٤٪ من إيرادات الحكومة باستثناء دخل الاستثمار، محذرة من هشاشة محتملة في المالية العامة إذا استمرت أسعار النفط المنخفضة من دون إعادة توازن بين الإيرادات والإنفاق. لذلك تمنح صفقة بهذا الحجم مؤسسة البترول الكويتية متنفساً تمويلياً مهماً، لكنها لا تختصر تحديات الاقتصاد الكويتي في تحويل أصل واحد إلى نقد.

تكشف الصفقة المنسوبة إلى مؤسسة البترول الكويتية عن مرحلة أكثر نضجاً في إدارة شركات النفط الخليجية لأصولها. فبدلاً من ترك البنية التحتية محصورة في الميزانية كأصل تشغيلي، يجري تحويل جزء من عوائدها المستقبلية إلى تمويل حاضر، مع الحفاظ على الأغلبية والتشغيل والسيادة على الموارد. هذا هو التوازن الذي يبحث عنه الطرفان: شركة نفط وطنية تريد سيولة من دون بيع النفط، ومستثمر عالمي يريد دخلاً طويلاً يمكن تقديره من دون إدارة الحقول أو تحمل السياسة النفطية.

إذا ثبتت التفاصيل عند الإغلاق، ستكون صفقة الكويت خطوة كبيرة في هذا المسار الخليجي، لا إعلاناً عن خصخصة النفط ولا علاجاً شاملاً لقيود المالية العامة. أهميتها أنها تبيّن كيف أصبحت خطوط الأنابيب، وهي أصول كانت بعيدة عن العناوين السياسية، أداة تمويل مركزية في عصر تحتاج فيه الدول النفطية إلى رأس مال كبير، ويحتاج فيه المستثمرون العالميون إلى عوائد مستقرة وطويلة الأجل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى