Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
EXPLAINERS

هرمز يختبر الخليج: تنسيق سياسي لحماية الطاقة بلا ضمان كامل

مع اهتزاز وقف النار الأميركي الإيراني واضطراب الملاحة، تتحرك دول مجلس التعاون لتوحيد الرسائل وفتح القنوات الخارجية، لكنها لا تملك وحدها التحكم في أكثر ممرات الطاقة حساسية.

في أواخر يوليو، انتقل ملف مضيق هرمز مجدداً إلى صدارة الدبلوماسية الخليجية. فقد أفادت «عرب نيوز» بأن وزراء خارجية مجلس التعاون ناقشوا التطورات الإقليمية والمفاوضات الجارية، ورفض قادة الخليج إغلاق إيران للمضيق أو عرقلة الملاحة. وذكرت «دوحة نيوز» أن الوزراء كانوا يعقدون اجتماعاً افتراضياً طارئاً حول آخر التطورات الإقليمية، فيما تحدثت «بحرين ذس منت» عن جلسة عبر الاتصال المرئي ركزت على التنسيق الدبلوماسي وتدابير الأمن الإقليمي واستراتيجيات الاستجابة الجماعية.

هذا التحرك، بصرف النظر عن تفاصيله الإجرائية، جاء في لحظة حساسة. فالمضيق الذي يربط الخليج ببحر العرب لم يعد في الخطاب السياسي مجرد ممر بحري، بل صار اختباراً لقدرة الدول الخليجية على إدارة الخطر من دون امتلاك قرار الحرب والسلم بين واشنطن وطهران. وتزداد صعوبة الاختبار لأن وقف إطلاق النار المشار إليه في التقارير بدا هشاً منذ بدايته؛ فقد قالت شبكة «سي إن إن» في تغطية بتاريخ ١٣ يوليو إن الولايات المتحدة استأنفت الضربات، وإن إيران قالت إنها ضربت ناقلتين في مضيق هرمز، وإن وقف إطلاق النار انهار عملياً. وبعد ذلك تحدثت رويترز عن تفكك الوقف، ثم عن توقف مفاجئ لسلسلة من ١٣ ليلة من الضربات المتصاعدة رداً على هجمات إيرانية على الملاحة في هرمز.

المعادلة الخليجية هنا دقيقة: كيف يمكن بناء إطار سياسي يحافظ على تدفق التجارة والطاقة عبر هرمز، بينما تتغير الإشارات العسكرية الأميركية والإيرانية بوتيرة أسرع من قدرة أي بيان جماعي على ضبط البحر؟

من بيان الحرية إلى سياسة خفض التصعيد

لا تبدأ الدبلوماسية الخليجية من فراغ. ففي ٢٥ يونيو ٢٠٢٦، صدر بيان مشترك عقب اجتماع وزاري خليجي أميركي شدد، بحسب الأمانة العامة لمجلس التعاون وسفارة الولايات المتحدة في البحرين، على أهمية إعادة فتح مضيق هرمز وعلى الملاحة الحرة وغير المشروطة وغير المقيدة. هذه اللغة ليست تفصيلاً بروتوكولياً؛ فهي تمنح دول المجلس أرضية مشتركة تقول إن أمن المضيق ليس ملفاً إيرانياً أميركياً حصراً، بل مصلحة إقليمية ودولية تمس الصادرات، والواردات، وثقة الأسواق، وعلاقات الخليج مع كبار مستهلكي الطاقة.

لكن البيان الجماعي لا يتحول تلقائياً إلى قدرة تنفيذية. ما يستطيع مجلس التعاون فعله واقعياً هو بناء طبقة سياسية حول الممر: توحيد الموقف العلني، تقليل التناقض بين العواصم الخليجية، التواصل مع واشنطن والعواصم الأوروبية والأمم المتحدة، والاستفادة من القنوات القائمة مع إيران أو القريبة منها لخفض احتمالات سوء التقدير. وتظهر إشارات أخرى إلى هذا المسار؛ فقد ورد عن وزارة الخارجية العُمانية أن اجتماعاً وزارياً استثنائياً بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون عُقد عبر الاتصال المرئي، وأن عُمان أكدت التعاون لاستعادة حرية الملاحة في هرمز. كما ذكر «سيكيوريتي كاونسل ريبورت» في توقعاته لتعاون الأمم المتحدة ومجلس التعاون في أبريل ٢٠٢٦ أن دول المجلس اقترحت قراراً يعالج التهديدات لحرية الملاحة في المضيق وبالقرب منه.

هذه الأدوات مهمة لأنها توسع دائرة الكلفة السياسية لأي عرقلة للملاحة. لكنها لا تمنح دول الخليج مفتاحاً مباشراً للمضيق. فالقوة البحرية، وقرار الضربات، وردود إيران، وحسابات ملاك السفن وشركات التأمين، كلها تقع في مساحة تتداخل فيها الدول الكبرى والأسواق والفاعلون العسكريون.

الإطار الدائم لا يولد من وعد بضمان الملاحة، بل من جعل تعطيلها أكثر كلفة سياسياً وأمنياً على جميع الأطراف.

الصدمة البحرية وحدود الطمأنة

تفسر أرقام الطاقة سبب القلق. قالت إدارة معلومات الطاقة الأميركية إن تدفق النفط عبر مضيق هرمز بلغ في ٢٠٢٤ متوسطاً قدره ٢٠ مليون برميل يومياً، أي نحو ٢٠٪ من استهلاك السوائل النفطية عالمياً. وذكرت الإدارة أيضاً أن نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية يمر عبر المضيق. وتضيف وكالة الطاقة الدولية بعداً آخر للمشهد، إذ قالت إن نحو ٨٠٪ من النفط والمنتجات النفطية العابرة للمضيق في ٢٠٢٥ كانت متجهة إلى آسيا، وإن أكثر من ١١٠ مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال مرت عبر هرمز في العام نفسه.

لذلك لا تمس أزمة هرمز دول الخليج وحدها. إنها تضغط على مستوردي الطاقة في آسيا، وعلى أسواق الشحن، وعلى عقود الغاز والنفط، وعلى الثقة في انتظام الإمدادات. وقد ظهرت آثار القلق بسرعة في يوليو. أفادت الجزيرة في ١٠ يوليو بأن حركة الشحن في مضيق هرمز تراجعت بشدة وسط تجدد القتال بين الولايات المتحدة وإيران، بما وجه ضربة جديدة إلى أسواق الطاقة. وقبل ذلك بيوم، نقلت «بي إن إن بلومبرغ» عبارة لافتة: «حركة الناقلات عبر مضيق هرمز توقفت عملياً، وهذا يخبرك عن إدراك المخاطر الآن أكثر مما يخبرك أي بيان».

تلك الجملة تلخص الفجوة بين السياسة والسوق. قد تعلن الحكومات تمسكها بحرية الملاحة، لكن السفينة لا تتحرك وفق البيان وحده. قرار العبور يتأثر بتقدير القبطان والشركة والمالك والمؤمّن، وبطبيعة التهديدات المعلنة أو غير المعلنة، وبما إذا كان البحر يبدو آمناً فعلاً. كما أن اضطراب الملاحة لم يظهر لأول مرة مع تصعيد منتصف يوليو؛ فقد أفادت شركة «ويندوارد» في ٢٢ مارس بأن حركة المرور في المضيق ظلت قريبة من الانهيار، مع تسجيل ١٦ عملية عبور فقط ظاهرة عبر نظام التعرف الآلي على السفن خلال الأيام السبعة السابقة. وهذا يعني أن أزمة يوليو جاءت فوق طبقة سابقة من التوتر، لا في بيئة مستقرة تماماً.

من هنا يصبح هدف الدبلوماسية الخليجية أكثر تواضعاً ودقة: ليس إعلان القدرة على منع كل حادث، بل خفض احتمال وقوعه، وطمأنة السوق بوجود موقف سياسي منسق، ومنع تحول كل احتكاك بحري إلى مواجهة أوسع. وقد حذرت مجموعة الأزمات الدولية في ١٠ يوليو من أن الشحن التجاري تأثر بارتفاع التوتر الأميركي الإيراني، وأن حادثاً مقصوداً أو غير مقصود في البحر يمكن أن يصعّد سريعاً عبر هذا الممر الحيوي للطاقة.

وحدة خليجية مطلوبة ومصالح ليست متطابقة

تلتقي دول مجلس التعاون عند مصلحة واضحة: إبقاء هرمز مفتوحاً وتجنب تحويل الخليج إلى مسرح دائم للمواجهة. لكن هذه المصلحة المشتركة لا تعني أن العواصم الست تنظر إلى الخطر بالطريقة نفسها، أو تفضل الأدوات ذاتها. فبعض الدول يراهن أكثر على قنوات التهدئة والحوار، وبعضها يعتمد بدرجة أوضح على الشراكات الأمنية الغربية، وبعضها يتأثر مباشرة بحسابات الغاز الطبيعي المسال واتجاهات الطلب الآسيوي. هذه الفروق لا تلغي التنسيق، لكنها تحدد صلابته عندما ترتفع كلفة الاصطفاف.

يزداد الأمر تعقيداً حين تدخل الولايات المتحدة على الخط بسياسات لا تصاغ دائماً وفق إيقاع الدبلوماسية الخليجية. فقد أفادت رويترز في ١٣ يوليو بأن الجيش الأميركي استأنف ضرباته على إيران فيما تعرضت الناقلات لضغوط، وأن الرئيس دونالد ترامب أعاد فرض حصار على الشحن الإيراني واقترح رسماً قدره ٢٠٪ مقابل حراسة مضيق هرمز. وفي ١٦ يوليو، أوردت رويترز أن ترامب صعّد الضربات الجوية مع تفكك وقف إطلاق النار، وأن محللين شككوا في أن زيادة الهجمات ستدفع طهران إلى تقديم تنازلات، فيما أشارت إيران إلى استعدادها للرد على حلفاء الولايات المتحدة في الخليج.

هذه التطورات تضع مجلس التعاون أمام معضلة مألوفة بصيغة أشد حدة: يحتاج إلى الشريك الأمني الأميركي، لكنه يدفع جزءاً من ثمن التصعيد إذا ردت إيران في الجوار البحري أو البري. ويحتاج إلى إبقاء قنوات مع طهران مفتوحة، لكنه لا يستطيع تجاهل المخاطر التي تشكلها التهديدات للملاحة. لذلك تكون قابلية أي إطار خليجي للاستمرار رهناً بقدرته على الجمع بين ثلاثة عناصر: خطاب موحد حول حرية الملاحة، اتصالات خارجية متعددة تمنع احتكار الأزمة من طرفين فقط، وتنسيق داخلي يحد من الرسائل المتعارضة عند كل منعطف عسكري.

النجاح هنا لا يقاس بغياب الخطر، بل بقدرة الخليج على منع الخطر من التحول إلى واقع دائم يقرر سلوك الأسواق قبل أن تتكلم الحكومات.

في المحصلة، يستطيع مجلس التعاون أن يبني إطاراً سياسياً أكثر تماسكاً حول هرمز، لكنه لا يستطيع وحده ضمان عبور كل شحنة في كل لحظة. قوته تكمن في تنسيق المواقف، وتوسيع شبكة الضغط الدبلوماسي، وربط حرية الملاحة بمصالح دولية أوسع تشمل الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا. أما نقاط ضعفه فتظهر عندما تتقدم الضربات والتهديدات وحسابات التأمين على لغة البيانات. وبين هذين الحدين ستتحرك الدبلوماسية الخليجية في المرحلة المقبلة: محاولة جعل المضيق ممراً محمياً سياسياً قدر الإمكان، من دون الادعاء بأنها تملك السيطرة الكاملة على بحر تحكمه أيضاً الصواريخ والأساطيل ومخاوف السوق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى