النووي السعودي الأميركي أمام بوابة التطبيع
اتفاق المادة 123 يمنح التعاون النووي إطاراً قانونياً، لكن مراجعة الكونغرس وشرط الانضمام إلى اتفاقات أبراهام قد يحددان ما إذا كان سيبقى إعلاناً سياسياً أم يتحول إلى مسار نافذ.
بعد يوم واحد من إعلان اتفاق التعاون النووي المدني بين واشنطن والرياض، خرج الرئيس دونالد ترامب ليضيف إلى الملف شرطاً سياسياً ثقيلاً: لن يدخل الاتفاق حيز التنفيذ إلا إذا انضمت السعودية إلى اتفاقات أبراهام. بهذا التصريح، انتقل الاتفاق من خانة التعاون في الطاقة والتكنولوجيا النووية إلى مساحة أوسع، تتداخل فيها قواعد عدم الانتشار، وصلاحيات الكونغرس، وحسابات التطبيع، ومنافسة الشركات والدول على سوق نووية سعودية واعدة.
كانت وزارة الطاقة الأميركية قد أعلنت في 22 يوليو 2026 أن الولايات المتحدة والسعودية توصلتا إلى اتفاق للتعاون النووي المدني بموجب المادة 123 من قانون الطاقة الذرية لعام 1954، وإلى جانبه اتفاق ضمانات ثنائي. ووصفت الوزارة الشراكة بأنها تمتد لعقود وبقيمة مليارات الدولارات، وقالت إنها ستُحال إلى الكونغرس لمراجعتها. في اليوم التالي، نقلت رويترز عن ترامب ربطه الاتفاق بتطبيع الرياض علاقاتها مع إسرائيل، وكتب أن الاتفاق النووي المدني «سيُقر، لكنه مشروط بالكامل بانضمام السعودية إلى اتفاقات أبراهام المحترمة والناجحة جداً»، مضيفاً: «لن يكون هناك تخصيب لأي مواد!». ثم قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت إنه إذا لم تنضم السعودية إلى اتفاقات أبراهام «فالصفقة ملغاة»، مع تأكيد استمرار واشنطن في التحدث مع نظرائها السعوديين لوضع اللمسات النهائية على الاتفاق.
هذا التسلسل هو مفتاح القراءة. فالاتفاق لا يصبح نافذاً لمجرد إعلانه، ولا يكفي أن يحظى برغبة تنفيذية كي يتحول إلى تعاون نووي فعلي. في النظام الأميركي، تمر اتفاقات التعاون النووي المدني عبر بوابة قانونية محددة، ثم عبر مراجعة سياسية وتشريعية، ثم عبر قرارات تنفيذ وترخيص لاحقة. والشرط المتصل بالتطبيع، حتى وإن أعلنته الرئاسة بوضوح، يحتاج إلى تمييز دقيق بين كونه موقفاً سياسياً يحدد سلوك الإدارة، أو شرطاً مدرجاً في الوثائق القانونية التي ستُعرض على الكونغرس.
الجملة الحاسمة هنا بسيطة: الإعلان يفتح الطريق، لكنه لا يختصر الطريق.
ما الذي تفعله المادة 123؟
المادة 123 هي الإطار القانوني الأميركي الذي يسمح بتعاون نووي مدني مهم وغير عسكري مع دولة أخرى. وبحسب خدمة أبحاث الكونغرس، فإن هذه الاتفاقات تتيح التعاون وتحدد حدوده، لكنها لا تضمن أن التعاون سيحدث فعلاً. معنى ذلك أن الاتفاق يؤسس القاعدة القانونية للعلاقة النووية، بينما تبقى الصادرات، ونقل المواد أو المعدات أو المعرفة الحساسة، مرتبطة بخطوات لاحقة وبالترخيص وبشروط التنفيذ.
تقول خدمة أبحاث الكونغرس إن أي اتفاق من هذا النوع يجب أن يستوفي تسعة معايير لعدم الانتشار. كما يتعين على الرئيس أن يرسل الاتفاق إلى لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب ولجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، وأن يرفقه ببيان غير مصنف لتقييم الانتشار النووي، وملحق سري يُعد بالتشاور مع مدير الاستخبارات الوطنية. وتضيف الخدمة أن على الرئيس إصدار تحديد خطي بأن تنفيذ الاتفاق المقترح «سيعزز الدفاع والأمن المشتركين ولن يشكل خطراً غير معقول عليهما».
في الحالة السعودية، لا تقف المسألة عند الصياغة العامة للاتفاق. فخدمة أبحاث الكونغرس تشير إلى أن السعودية انضمت إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية في 1988، ولديها اتفاق ضمانات شاملة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية منذ 2009، لكنها لم تبرم بروتوكولاً إضافياً، كما ألغت في 2024 بروتوكول الكميات الصغيرة الملحق باتفاق الضمانات الشاملة. وتبرز هنا مادة أخرى ذات أثر عملي: فالمادة 1264 من قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2020 تمنع الرئيس من تزويد الكونغرس ببيان تقييم الانتشار النووي لاتفاق تعاون نووي مع حكومة لا تطبق بروتوكولاً إضافياً لاتفاق الضمانات الخاص بها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ما لم يقدم الرئيس تقرير إعفاء وتنقضي 90 يوماً بعد ذلك التقرير.
لذلك تبدو الضمانات جزءاً من صلب الاتفاق، لا ملحقاً فنياً هامشياً. وقد قال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت إن هذه الاتفاقات «تلتزم بأعلى معايير السلامة النووية وعدم الانتشار». كما قالت السعودية، قبل ربط ترامب الاتفاق باتفاقات أبراهام، إن الاتفاق يدعم جهود تنويع مصادر الطاقة، ويتضمن «أعلى المعايير الدولية» في السلامة النووية والأمن النووي وعدم الانتشار. غير أن وصف المعايير لا يحل تلقائياً الأسئلة التي سيطرحها المسار القانوني، خصوصاً في ما يتعلق بالتخصيب، وإعادة المعالجة، ونطاق التحقق الدولي.
الكونغرس لا يوقّع فقط على السياسة
ذكرت رويترز أن الكونغرس ستكون لديه 90 يوم انعقاد لمراجعة الاتفاق قبل دخوله حيز التنفيذ. هذه المهلة ليست تفصيلاً إجرائياً؛ إنها الفترة التي يتحول فيها الاتفاق من إعلان بين حكومتين إلى ملف يخضع لأسئلة المشرعين حول الأمن، وعدم الانتشار، ومدى انضباط القيود الفنية والسياسية.
دور الكونغرس في اتفاقات المادة 123 لا يعني أنه يدير المفاوضات بدلاً من الإدارة، لكنه يملك قدرة على التأثير في المسار. فقد يتيح مرور المراجعة من دون عرقلة، وقد يتحرك لتعطيل الاتفاق أو لفرض شروط سياسية وتشريعية عليه بحسب الأدوات المتاحة في القانون والإجراء. وفي الحالة السعودية، سيجد الكونغرس أمامه ملفاً حساساً لثلاثة أسباب متداخلة: طبيعة البرنامج النووي المدني السعودي، وضع الضمانات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والغموض الذي ظهر حول مسألة التخصيب وإعادة المعالجة.
تشير خدمة أبحاث الكونغرس إلى أن الأسئلة المتعلقة بالضمانات النووية، والمراقبة، واحتمال إنتاج الوقود النووي أو توريده، تقع في قلب النقاش بشأن أي تعاون نووي أميركي سعودي محتمل. وتلفت أيضاً إلى أن سياسة أميركية ممتدة ربطت اتفاق المادة 123 مع السعودية بضمانات معززة وبالتخلي عن تخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجة الوقود المستهلك. لذلك يكتسب منشور ترامب عن منع التخصيب أهمية مضاعفة، لكنه لا يحسم وحده مضمون النص القانوني.
هنا تظهر إحدى عقد الملف. فقد أشارت رويترز إلى وجود غموض في التقارير المتاحة: من جهة، ذكرت أن الاتفاق سيسمح للسعودية بتخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة النفايات النووية؛ ومن جهة أخرى، قال ترامب إنه «لن يكون هناك تخصيب»، ولم يتضح ما إذا كان يقصد تحديداً اليورانيوم عالي التخصيب المستخدم في الأسلحة. كما قالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إنها تنتظر طلباً من واشنطن والرياض لتطبيق إجراءات تحقق بموجب الاتفاق، قبل أن تسعى للحصول على تفويض من مجلس محافظيها. هذه النقاط تجعل مراجعة الكونغرس ساحة لفحص البنية الفنية للاتفاق، لا مجرد تصويت سياسي على علاقة واشنطن بالرياض.
شرط التطبيع يغيّر سعر الاتفاق السياسي
الشرط الرئاسي المرتبط باتفاقات أبراهام لا يلغي البعد الاقتصادي والتكنولوجي للاتفاق، لكنه يغيّر طريقة تسعيره سياسياً. فواشنطن لا تعرض فقط إطاراً لشركاتها النووية؛ إنها تربط هذا الإطار، بحسب تصريحات ترامب والبيت الأبيض، بهدف دبلوماسي إقليمي. والسعودية، في المقابل، تنظر إلى الطاقة النووية المدنية ضمن خطط أوسع لتنويع مصادر الطاقة ودعم التحول الاقتصادي والصناعة وتحلية المياه.
تقول خدمة أبحاث الكونغرس إن الخطط النووية السعودية تشمل المشروع الوطني للطاقة الذرية الذي أُقر في يوليو 2017، وجهوداً لبناء مفاعلات كبيرة وصغيرة لإنتاج الكهرباء وتحلية المياه. وتشير أيضاً إلى أن مسؤولين سعوديين دعوا في مايو 2022 إلى تقديم عروض فنية لمفاعلين بقدرة 1.4 غيغاواط كهربائي في خور دويحين. وحتى يوليو 2024، كانت المؤسسة النووية الوطنية الصينية، وشركة كهرباء فرنسا، وشركة كوريا للطاقة الكهربائية، وروساتوم، ضمن مقدمي العروض الذين قيل إنهم أُقروا لمشروع المفاعلات السعودي المخطط له.
هذا يفسر لماذا يتجاوز الاتفاق كونه ملفاً ثنائياً. فالتعاون النووي المدني يحدد من يدخل قطاعاً حساساً وطويل الأجل في اقتصاد سعودي يسعى إلى تنويع مصادر الطاقة. وقدّر المحلل الجيوسياسي السعودي محمد الحامد أن الاتفاق يعكس طموح السعودية إلى تطوير طاقة نووية سلمية لخدمة التحول الاقتصادي واحتياجات الطاقة والخطط الصناعية، في حين تريد واشنطن تجنب أن تصبح الصين أو روسيا الشريك الرئيسي للسعودية في قطاع حساس.
لكن شرط التطبيع يضع هذه المصالح فوق أرض سياسية متحركة. فالموقف السعودي الرسمي المعلن في 7 فبراير 2024 أكد أنه لن تكون هناك علاقات دبلوماسية مع إسرائيل ما لم يُعترف بدولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ويتوقف العدوان الإسرائيلي على غزة، وتنسحب كل قوات الاحتلال الإسرائيلي من القطاع. هذا البيان سابق على إعلان الاتفاق النووي في يوليو 2026، ولا يمثل رداً مباشراً على شرط ترامب، لكنه يوضح خط الأساس السعودي في ملف التطبيع. ولم ترد السفارة السعودية في واشنطن على طلب رويترز التعليق على منشور ترامب بشأن اتفاقات أبراهام، ما يجعل أي استنتاج عن قبول الشرط أو رفضه تجاوزاً لما هو معلن.
القضية إذن ليست ما إذا كان الشرط سيقود بالضرورة إلى التطبيع أو إلى انهيار الاتفاق. السؤال الأهم هو كيف ستتعامل الإدارة الأميركية معه داخل المسار القانوني. فإذا بقي شرطاً سياسياً خارج نص الاتفاق، فقد يستخدمه البيت الأبيض لتقرير ما إذا كان سيمضي في التنفيذ بعد المراجعة. وإذا ظهر في الوثائق الرسمية المرسلة إلى الكونغرس، فسيتحول إلى جزء من النقاش التشريعي حول شروط النفاذ. وفي الحالتين، سيؤثر في حسابات الرياض وواشنطن، وفي رسائل الاتفاق إلى إسرائيل، وفي موقع الشركات الأميركية وسط منافسة دولية على السوق النووية السعودية.
في المحصلة، يمر الاتفاق عبر ثلاث بوابات متزامنة. الأولى قانونية، تتعلق بمتطلبات المادة 123، وبيان تقييم الانتشار، والضمانات، وأي إعفاءات لازمة. والثانية تشريعية، تتمثل في مراجعة الكونغرس خلال 90 يوم انعقاد وما قد يرافقها من اعتراضات أو شروط. والثالثة سياسية، صنعها ترامب حين ربط النفاذ بانضمام السعودية إلى اتفاقات أبراهام. ولا يكفي عبور بوابة واحدة لضمان عبور الأخريين.
لهذا تبدو أهمية الاتفاق في أنه يكشف تداخل الطاقة النووية المدنية مع الدبلوماسية الإقليمية والمنافسة التجارية والأمن النووي. فإذا استوفت الحزمة القانونية متطلبات عدم الانتشار، ومرّت مراجعة الكونغرس من دون تعطيل حاسم، وقررت الإدارة أن شرطها السياسي قد تحقق أو يمكن التعامل معه، يصبح طريق النفاذ ممكناً. أما إذا تعثرت الضمانات، أو أثار الكونغرس اعتراضات جوهرية، أو بقي شرط التطبيع عالقاً في صيغة لا تسمح للإدارة بالمضي، فقد يبقى الاتفاق إطاراً معلناً أكثر منه شراكة عاملة. وبين الاحتمالين، ستتحدد القيمة الفعلية لاتفاق المادة 123: هل يكون أداة لفتح سوق نووية مدنية كبرى أمام واشنطن، أم ورقة ضغط دبلوماسية أكبر من قدرة النص القانوني على حملها؟