Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
EXPLAINERS

خطة أحمد الشرع في سورية: كيف تعمل خريطة الطريق لإعادة بناء الدولة وإدارة الصراعات الإقليمية؟

تسعى السلطة الانتقالية في دمشق إلى تحويل سورية من دولة دمرتها الحرب إلى جمهورية مركزية تُدار بالتكنوقراط والواقعية السياسية. تشرح هذه المقالة التفسيرية أركان «خطة الشرع» بين حصر السلاح، وإعادة الإعمار، والمفاوضات الأمنية الإقليمية مع واشنطن وإسرائيل.

في كشف أمني ودبلوماسي لافت أواخر يوليو 2026، أعلن الرئيس الانتقالي للجمهورية السورية، أحمد الشرع، أن بلاده تخوض مفاوضات غير مباشرة للوصول إلى اتفاق أمني مع إسرائيل يهدف إلى فرض الالتزام بفرز القوات وفق اتفاقية الفك والتجريد لعام 1974، ووقف التوغلات العسكرية في الجنوب، دون التنازل عن السيادة السورية على الجولان المحتل. لم يكن هذا الإعلان مجرد خطوة دبلوماسية مفاجئة، بل جاء كإحدى ثمار الخطة الشاملة التي تبنتها الإدارة الجديدة لتثبيت أركان الدولة وتفكيك العزلة الدولية التي استمرت عقوداً.

منذ إعلان توليه السلطة في 29 يناير 2025 عقب سقوط نظام البعث في ديسمبر 2024، يقود أحمد الشرع استراتيجية متعددة المسارات تعتمد على تركيز السلطة التنفيذية، وإلغاء المحاصصة الطائفية، وتوحيد الفصائل العسكرية، بالتوازي مع إجراء إصلاحات اقتصادية جذربية لإعادة بناء البنية التحتية المتهالكة وتحصيل رفع كامل للعقوبات الغربية.

لتفكيك هذه التجربة ومسارها المستقبلي، يلزم التمييز أولاً بين خطة أحمد الشرع الرامية لتأسيس «الجمهورية السورية الثانية» عبر القوة والتكنوقراط، وبين محاولات الإصلاح السياق التاريخي القديم الذي قاده نائب رئيس الجمهورية الأسبق فاروق الشرع عام 2011 وشهد خنقاً سياسياً من قبل الأجهزة الأمنية قبل إجهاضه كلياً.

تستعرض هذه المادة التفسيرية الآليات الأربع التي تحرك «خطة الشرع» في سورية، وما حققته على أرض الواقع، وما تعنيه التفاهمات الإقليمية الأخيرة لطبيعة الصراع في الشرق الأوسط.

الخلاصة

  • المرجعية السياسية: تعمل الإدارة الجديدة بموجب الإعلان الدستوري الصادر في 13 مارس 2025، والذي يمنح الرئيس الانتقالي ولاية تنفيذيّة لمدة 5 سنوات، تقود خلالها حكومة تكنوقراط من 23 وزيراً الشأن العام دون نظام محاصصة.
  • الاحتراف العسكري: دُمجت الفصائل المسلحة في "الجيش الوطني السوري" الموحد تحت قيادة وزارة الدفاع، مع إحراز تقدم في مفاوضات دمج "قسد" عبر طرح الانضمام في 3 أفرقة عسكرية نظامية.
  • التعافي الاقتصادي: أُطلقت خطة إعادة إعمار بقيمة 100 مليار دولار تستهدف بناء مليون منزل، مع تأمين 28 مليار دولار كالتزامات استثمارية أولية من دول الخليج وشركات دولية.
  • البراغماتية الخارجية: شملت الخطة انتزاع استثناءات وتخفيف لعقوبات "قيصر" الأمريكية، وإبعاد سورية عن المحور الإيراني، وإدارة تفاهمات أمنية مع إسرائيل، وإعادة ترتيب الوجود الروسي واقتصاره على قاعدتي حميميم وطرطوس.

بين فاروق وأحمد: لماذا تختلف خطة الشرع الحالية عن حوار 2011؟

لتجنب الخلط الشائع في التغطيات الإعلامية، تتوجب التفرقة بين مبادرتين ارتبطتا باسم "الشرع" في التاريخ السوري الحديث:

في يوليو 2011، ترأس نائب رئيس الجمهورية آنذاك، فاروق الشرع، "مؤتمر الحوار الوطني" بمبادرة هدفت إلى تعديل المادة الثامنة من دستور 1973 وإلغاء احتكار حزب البعث للسلطة، وتحويل البلاد نحو التعددية السياسية عبر التسوية السلمية. غير أن تلك المبادرة اصطدمت بالقبضة الأمنية لبشار الأسد، انتهت بالتهميش الكامل لفاروق الشرع وفرض الإقامة الجبرية غير المعلنة عليه حتى سقوط النظام، مما أثبت حينها عجز مؤسسات النظام القديم عن التطور من الداخل كما وثقت مذكراته الأخيرة «الرواية المفقودة».

في المقابل، تنطلق "خطة أحمد الشرع" (المعروف سابقاً بأبي محمد الجولاني) من واقع مختلف جذرياً؛ إذ تُنفذ من موقع السيطرة الميدانية الكاملة عقب نجاح عملية "رد العدوان" في ديسمبر 2024. لا تتفاوض هذه الخطة مع البنية الحاكمة القديمة، بل قامت على تفكيك حزب البعث والأجهزة الأمنية السابقة كلياً، وممارسة السلطة عبر نظام انتقالي ممركز ومؤسسات تكنوقراطية.

┌───────────────────────────────────────────────────────────────────────────┐ │ مقارنة بين المبادرتين التاريخيتين باسم الشرع │ ├───────────────────────────────┬───────────────────────────────────────────┤ │ أحمد الشرع (2025–2026) │ فاروق الشرع (2011–2012) │ ├───────────────────────────────┼───────────────────────────────────────────┤ │ • الموقع: رئيس انتقالي للجمهورية │ • الموقع: نائب رئيس الجمهورية الأسبق │ │ • آلية التنفيذ: إعادة بناء شاملة │ • آلية التنفيذ: حوار سياسي داخلي │ │ للمؤسسات والجيش بقرار سيادي │ أجهضه الجهاز الأمني لتقاسم السلطة │ │ • النتيجة: سلطة تنفيذية قائمة │ • النتيجة: فشل المبادرة وتهميش صاحبها │ │ ومعترف بها دولياً │ وتصاعد الخيار العسكري للنظام القديم │ └───────────────────────────────┴───────────────────────────────────────────┘

الهندسة الدستورية والسياسية: إدارة الانتقال بحكومة تكنوقراط

يعتمد المسار السياسي لخطة الشرع على هيكلية إدارية صارمة تهدف إلى منع الفراغ المؤسسي وتفادي نمط "المحاصصة الطائفية" الذي شهده العراق أو لبنان.

بموجب الإعلان الدستوري للجمهورية السورية الانتقالية الصادر في 13 مارس 2025، حُددت أبعاد المرحلة الانتقالية بمدّة 5 سنوات (2025–2030). وتولى أحمد الشرع الرئاسة بلاحق المرسوم المؤرخ في 29 يناير 2025، يعاونه مجلس وزراء تكنوقراط أُعلن عنه في 29 مارس 2025 بقرار رئاسي ضم 23 وزيراً (22 رجلاً وامرأة واحدة)، أُسندت فيه الحقائب الوزارية بناءً على الكفاءات المهنية والهندسية والاقتصادية بدلاً من التوزيع الفصائلي أو الطائفي.

ولإيجاد سلطة تشريعية رقابية ومؤقتة، نظمت الإدارة الانتقالية انتخابات برلمانية مرحلية في أكتوبر 2025 في معظم المحافظات الخاضعة لسيطرتها، لتتولى إقرار القوانين الأساسية ومراقبة عمل الحكومة لحين انتهاء اللجنة الدستورية المتخصصة من صياغة الدستور الدائم وإقراره عبر استفتاء شعبي عام قبل نهاية الخطة عام 2030.

حصر السلاح بيد الدولة: الدمج العسكري والتحدي الكردي

تتمثل المرتكزات الأمنية لخطة الشرع في إنهاء كافة المظاهر الفصائلية المسلحة، وفرض الاحتكار التام لوسائل القوة العسكرية لصالح وزارة الدفاع بقيادة الفريق مرهاف أبو قصرة.

شملت المرحلة الأولى حليّ وحظر كافة المسميات الفصائلية السابقة—بما فيها هيئة تحرير الشام، والجيش الوطني السوري، والمجموعات المحلية—ودمج أفرادها بعد التدريب والتدقيق الأمني في تشكيلات الفيالق العسكرية التابعة للجيش الوطني السوري المستحدث.

أما المرتكز الثاني، فيستهدف الأراضي الشمالية الشرقية الغنية بالنفط. وفقاً لما أوردته صحيفة العربي الجديد، قدمت الحكومة الانتقالية في ديسمبر 2025 عرضاً متكاملاً لقوات سورية الديمقراطية (قسد) ينص على:

  1. الدمج العسكري الكامل لقوات "قسد" ضمن 3 فيالق عسكرية نظامية تتبع للقيادة العامة في دمشق.
  2. تسليم كامل المعابر الحدودية، الحقول النفطية، والمطارات للسيادة الاتحادية لدمشق.
  3. مقابل منح اعتراف دستوري بالهوية الثقافية واللغة الكردية، وتفعيل نظام الإدارة المحلية الموسع في محافظتي الحسكة والرقة.

المخطط الاقتصادي وتحديث البنية التحتية: رهان الـ 100 مليار دولار

تواجه الدولة الانتقالية واقعاً اقتصادياً صعباً خلفه دمار مئات الآلاف من المباني وتشريد نحو 14 مليون مواطن داخلياً وخارجياً. لمعالجة هذا الملف، وضعت هيئة إعادة الإعمار الانتقالية خطة شاملة بكلفة تقديرية بلغت 100 مليار دولار أمريكي.

ترتكز الخطة الاقتصادية على ثلاثة محاور متوازية:

  • جذب الاستثمارات المباشرة: أمن التنسيق مع دول مجلس التعاون الخليجي وشركات مصرية وتركية تعهدات استثمارية أولية بقيمة 28 مليار دولار تخص القطاعات الحيوية مثل الطاقة، الاتصالات، وإعادة تأهيل أوتوستراد (دمشق – دير الزور) والشرايين الدائرية للمدن الكبرى.
  • استرداد الأموال المنهوبة: أطلقت السلطات القضائية تسويات مالية وقانونية مع رجال أعمال وشخصيات مرتبطة بالنظام السابق استعادت من خلالها مليارات الدولارات وتوجيهها نحو صندوق إسكان متعدي الأغراض لتأهيل نحو مليون منزل مدمر.
  • إصلاح القطاع المصرفي: إعادة ربط البنك المركزي السوري ونظام المدفوعات المحلي بالشبكات المالية الدولية بعد تحصيل الإعفاءات الخاصة من عقوبات قيصر.

┌───────────────────────────────────────────────────────────────────────────┐ │ الهيكلية الإستراتيجية لخطة أحمد الشرع (2025–2026) │ └─────────────────────────────────────┬─────────────────────────────────────┘ │ ┌──────────────────┬─────────────────┴──────────────┬──────────────────┐ │ │ │ │ ┌┴─────────┐ ┌────┴─────────────┐ ┌────────┴────────┐ ┌──────┴──────────┐ │ الحوكمة │ │ توحيد القوة │ │ التعافي الاقتصادي│ │ الواقعية │ │ الدستورية│ │ العسكرية │ │ وإعادة الإعمار │ │ الخارجية │ └┬─────────┘ └────┬─────────────┘ └────────┬────────┘ └──────┬──────────┘ │ │ │ │ إعلان دستوري دمج الفصائل بوزارة خطة بـ 100 مليار رفع العقوبات، لمدة 5 سنوات، الدفاع، ودمج "قسد" دولار، وتعهدات تفاهمات أمنية وحكومة تكنوقراط في 3 فيالق نظامية بـ 28 مليار دولار مع دول الجوار

الواقعية السياسية في الخارج: التفاهمات الأمنية، إلغاء العقوبات، وإعادة رسم الخارطة الإقليمية

أحدثت الدبلوماسية السورية تحولاً كبيراً أخرج البلاد من عزلتها الدولية عبر تبني سياسة "الواقعية السياسية".

في مايو 2025، أعلنت الإدارة الأمريكية رفع اسم سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب وتجميد مفاعيل "قانون قيصر" عبر إعفاءات واسعة. وبحسب تقارير نشرتها شبكة سكاي نيوز عربية، فإن هذا التطور جاء نتيجة لوفاء دمشق بشروط أمنية دقيقة، تضمنت التعاون الفعال في مكافحة التنظيمات المتطرفة، وتفكيك شبكات تصنيع وتهريب مخدر الكبتاغون التي أدارها النظام السابق، وتقديم معلومات استخبارية لوجستية حول الرهائن الغربيين المفقودين.

وعلى الصعيد الإقليمي، حدد الرئيس أحمد الشرع في حواره مع قناة الجزيرة في 26 يوليو 2026 ثوابت سياسته الخارجية تجاه المحيط الإقليمي:

  1. المفاوضات الأمنية مع إسرائيل: التأكيد على وجود اتصالات غير مباشرة عبر أطراف دولية للتوصل إلى اتفاق أمني يعيد تثبيت اتفاقية الفك والتجريد لعام 1974، ويمنع الخروقات الجوية والعسكرية لجنوب سورية، مع التمسك التام بعدم التفريط بالحقوق السيادية في الجولان المحتل.
  2. الموقف من لبنان وحزب الله: حسم الشرع عدم النية لتدخل عسكري سوري في الشأن اللبناني الداخلي، مؤكداً دعم الدولة السورية لحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية اللبنانية فقط، وبما يؤدي إلى تحييد خطر الجماعات المسلحة عابرة الحدود كـ "حزب الله".
  3. العلاقات مع روسيا: مفاوضات مستمرة لإعادة تنظيم الوجود العسكري الروسي، واقتصاره حصراً على عقد استئجار تجاري وفني لقاعدتي حميميم وطرطوس، وإلغاء الامتيازات السياسية والأمنية المطلقة التي تتمتع بها موسكو سابقاً.

الحدود التفسيرية والرهانات المفتوحة

على الرغم من التقدم الميداني والدبلوماسي الواضح لتنفيذ خطة الشرع، تشير القراءة المتأنية للمعطيات إلى وجود عدة قضايا لم تحسم بعد بصورة نهائية:

  • طبيعة الاتفاق مع إسرائيل: تؤكد أدلة الملف السياسي أن المفاوضات الجارية تستهدف التوصل إلى ترتيب أمني وعدم اعتداء يحفظ الحدود، وليست معاهدة سلام رسمية أو تطبيعاً سياسياً شاملاً.
  • الفرق بين التعهدات والتحويلات المادية: تمثل الـ 100 مليار دولار تقديرات للاحتياجات الهيكلية لإعادة الإعمار، في حين لا تتجاوز الالتزامات الفعلية المؤكدة حاجز الـ 28 مليار دولار، والتي يظل تدفقها المالي مشروطاً بالاستقرار الأمني المستدام.
  • الوضع النهائي للمناطق الكردية: رغم طرح خطة الأفيالق الثلاثة لدمج قوات "قسد"، إلا أن المفاوضات التفصيلية حول القيادة الميدانية والإدارة المالية للحقول النفطية في الحسكة ودير الزور ما تزال تشهد مداً وجزراً بين دمشق والقامشلي.

تظهر تجربة العامين الماضيين أن خطة الشرع تحاول إرساء نموذج جديد في الحوكمة السورية، يستبدل العزلة والارتهان للخارج بمرونة دبلوماسية واقتصادية، ويعيد صياغة مفهوم الدولة المركزية عبر مؤسسات التكنوقراط والجيش النظامي الموحد.

المصادر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى