كيف تنتقل كلفة العمليات الأميركية واضطراب البحر الأحمر إلى الموازنة والأسواق؟
يفسر المقال القنوات التي تربط التكاليف العسكرية الأميركية بالاعتمادات الدفاعية، واضطرابات الملاحة بتكاليف الطاقة والشحن والتأمين. وتكمن الأهمية في أن الأثر على العجز أو التضخم ليس آلياً، بل يتوقف على التمويل ومدة الاضطراب وحالة الطلب والمخزونات.
أبرز ما تحتاج إلى معرفته
- التكلفة العسكرية الأميركية المعلنة تشمل إنفاقاً واقعاً واحتياجات حتى نهاية السنة المالية الأميركية.
- طلبات التمويل التكميلي تجعل الأثر المالي مرتبطاً بما سيقره الكونغرس وكيفية تمويله.
- إعادة توجيه السفن حول رأس الرجاء الصالح تزيد مدة الرحلات وتكاليف التشغيل وتقلل الطاقة المتاحة للأسطول.
- اضطراب البحر الأحمر يظهر أولاً في أسعار الشحن وأقساط التأمين قبل انتقاله المحتمل إلى المستهلكين.
- أثر الاضطرابات على أسعار النفط والتضخم يظل مشروطاً بالطلب والمخزونات وحجم التدفقات المتأثرة.
تعمل التكلفة العسكرية الأميركية المعلنة عند 37.5 مليار دولار وإعادة توجيه السفن بعيداً عن البحر الأحمر عبر قناتين اقتصاديتين مختلفتين لكنهما متصلتان: الأولى تمر عبر الموازنة الأميركية والاعتمادات الدفاعية، والثانية عبر الطاقة والشحن والتأمين وسلاسل الإمداد. الرقم العسكري لا يعني سعراً نهائياً للحرب، واضطراب الملاحة لا يعني تلقائياً موجة تضخم عالمية مستمرة، لكن كلاهما يضيفان كلفة ومخاطر إلى قرارات الحكومات والشركات والأسواق.
قال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، في شهادة أمام لجنة الاعتمادات في مجلس الشيوخ، إن التكاليف الأميركية المقدّرة للعملية العسكرية في إيران بلغت 37.5 مليار دولار حتى يوم الثلاثاء. ويمثل هذا الرقم زيادة قدرها 8.5 مليار دولار عن مبلغ 29 مليار دولار كانت وزارة الدفاع الأميركية تعلنه حتى أوائل مايو. ويغطي التقدير نفقات تكبّدتها الولايات المتحدة بالفعل، إلى جانب نفقات أفراد واحتياجات أخرى مطلوبة حتى 30 سبتمبر، أي نهاية السنة المالية الأميركية، بما في ذلك العمليات الجارية ورواتب الأفراد المنتشرين وتكاليف الصيانة.
قناة الموازنة: من تكلفة عسكرية إلى طلبات تمويل
الأثر المالي الأول لهذا الرقم يظهر في طريقة تعامل الكونغرس والإدارة مع الاعتمادات. فكلما ارتفعت التكاليف المقدّرة للعمليات والصيانة والأفراد، زادت الحاجة إلى تحديد مصادر تمويلها داخل الموازنة أو عبر تمويل إضافي. كان المشرعون يدرسون طلباً من البيت الأبيض للحصول على تمويل إضافي قدره 87.6 مليار دولار مرتبط بالصراع، وصفته الإدارة الأميركية بأنه مخصص لتغطية احتياجات عاجلة. وفي الوقت نفسه، طلب هيغسيث من مجلس الشيوخ تمويلاً إضافياً بقيمة 67 مليار دولار لحرب إيران.
وجود رقمين للتمويل التكميلي يوضح أن المسألة لا تقف عند تكلفة معلنة واحدة، بل تمتد إلى عملية اعتماد سياسي ومالي لم يُحسم حجمها هنا. لذلك لا يكفي النظر إلى 37.5 مليار دولار بوصفه مبلغاً منفصلاً؛ فهو أساس لتقدير احتياجات دفاعية إضافية قد تتغير مع مدة العمليات وحجم الانتشار والصيانة. أما أثر ذلك على العجز أو أولويات الإنفاق، فيتوقف على ما سيُقر فعلياً، وعلى ما إذا كانت الاعتمادات ستموّل بإضافات صافية أم بتعديلات داخل بنود أخرى.
قناة الطاقة: نقاط الاختناق لا تؤثر بالطريقة نفسها
في أسواق الطاقة، لا تنتقل المخاطر من البحر الأحمر أو الصراع مع إيران عبر السعر وحده، بل عبر احتمالات التأخير وكلفة النقل والتأمين وتوافر السفن. تقيّم إدارة معلومات الطاقة الأميركية نقاط الاختناق البحرية باعتبارها محورية لتجارة الطاقة؛ فالاضطرابات قد تسبب تأخيراً في الإمدادات، وارتفاعاً في تكاليف الشحن، وزيادة في أسعار الطاقة العالمية. لكنها تميّز أيضاً بين نقاط اختناق يمكن تجاوزها بمسارات أطول، وأخرى لا تملك بدائل عملية.
تساعد أرقام تدفقات الطاقة على فهم حجم الحساسية. فقدّرت إدارة معلومات الطاقة الأميركية أنه في النصف الأول من 2025 بلغت تدفقات النفط وسوائل أخرى 20.9 مليون برميل يومياً عبر مضيق هرمز، و4.9 مليون برميل يومياً عبر قناة السويس وخط أنابيب سوميد، و4.2 مليون برميل يومياً عبر باب المندب، و9.1 مليون برميل يومياً حول رأس الرجاء الصالح. هذه الأرقام لا تجعل كل ممر بحري مساوياً للآخر في أثره السوقي، لكنها تبيّن لماذا تراقب الأسواق مسارات الشرق الأوسط والطريق البديل حول أفريقيا معاً.
عند تعطل مسار البحر الأحمر، تصبح إعادة التوجيه حول رأس الرجاء الصالح هي القناة العملية الأوضح للكلفة. وقدّرت إدارة معلومات الطاقة الأميركية، استناداً إلى حسابات فورتيكسا، أن الرحلة من الخليج العربي إلى أمستردام-روتردام-أنتويرب تستغرق نحو 19 يوماً عبر السويس، ونحو 35 يوماً عبر رأس الرجاء الصالح. هذا الفارق الزمني يزيد استهلاك الوقود، ويحبس السفن في رحلات أطول، ويحد من الطاقة المتاحة للأسطول، حتى إذا ظلت الكميات النهائية قادرة على الوصول إلى المشترين.
الشحن والتأمين: الكلفة تظهر قبل أن تظهر في رفوف المتاجر
التأثير المباشر لاضطراب الملاحة يظهر غالباً في أسعار النقل وأقساط التأمين قبل أن يصل إلى المستهلك النهائي. أفادت إدارة معلومات الطاقة الأميركية، نقلاً عن آرغوس فريت، بأن أسعار ناقلات المنتجات النفطية النظيفة على المسارات العابرة للبحر الأحمر ارتفعت بمتوسط 20% في ديسمبر 2023 مقارنة بنوفمبر، وأن الزيادات في أقساط تأمين مخاطر الحرب انعكست على أسعار الناقلات. هذه الزيادة لا تعني أن كل أسعار الطاقة ارتفعت بالنسبة نفسها، لكنها تبين كيف تتحول المخاطر الأمنية إلى كلفة تشغيلية قابلة للقياس.
كما قدّر البنك الدولي أن حركة المرور عبر قناة السويس وباب المندب انخفضت بحلول أواخر ديسمبر 2024 بنحو ثلاثة أرباع مقارنة بالمستويات التاريخية، بينما زادت أحجام الملاحة حول رأس الرجاء الصالح بأكثر من 50%. ووصف البنك الدولي مسار قناة السويس وباب المندب بأنه كان ينقل نحو 30% من حركة الحاويات العالمية قبل الاضطراب. لذلك لا تقتصر المسألة على ناقلات النفط؛ فالحاويات أيضاً تتأثر بمدد الرحلات، وجداول الموانئ، وتكاليف التأمين، والحاجة إلى إدارة مخزون أكبر أو تعديل مواعيد التسليم.
بالنسبة للشركات، يعني ذلك أن الاستجابات الأقرب إلى الواقع قد تكون تعديلات تشغيلية: اختيار مسارات أطول، أو إعادة جدولة الشحنات، أو قبول تكاليف تأمين أعلى، أو زيادة هامش المخزون لتفادي التأخير. ولا تكفي هذه المعطيات وحدها للقول إن سلاسل الإمداد ستُعاد صياغتها على نطاق واسع وبصورة دائمة؛ فذلك يحتاج إلى بيانات عن قرارات الشركات وعقودها وقدرتها على تمرير الكلفة.
لماذا لا تتحول كل صدمة شحن إلى قفزة نفط أو تضخم واسع؟
تفاعل أسعار النفط مع اضطرابات البحر الأحمر في مرحلتها المبكرة يوضح حدود الربط المباشر بين الخطر والسعر. ذكرت إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن خام برنت كان عند نحو 82 دولاراً للبرميل في الأسبوع السابق لبدء الهجمات على السفن في البحر الأحمر، وبلغ 79 دولاراً للبرميل في 18 يناير 2024. هذا المسار يعني أن السعر تحرك ضمن نطاق، لا في صورة زيادة مستمرة بسيطة مدفوعة بالصراع وحده.
كذلك قال البنك الدولي إن ارتفاع أسعار الشحن الناتج من اضطراب البحر الأحمر ترك آثاراً تضخمية محدودة حتى الآن، ويرجع ذلك جزئياً إلى ضعف الطلب العالمي، وانخفاض أسعار السلع العالمية، وكفاية المخزونات. هنا تظهر أهمية التمييز بين كلفة مؤكدة على مستوى الشحن والتأمين، وأثر أوسع على التضخم يتوقف على الطلب، والمخزونات، وقدرة الشركات على امتصاص الزيادة أو تمريرها.
بهذا المعنى، ينتقل الأثر الاقتصادي عبر طبقات متتابعة. في الولايات المتحدة يبدأ من تقدير عسكري يغطي إنفاقاً واقعاً واحتياجات حتى نهاية السنة المالية، ثم يدخل في نقاش التمويل التكميلي. وفي الأسواق العالمية يبدأ من مخاطر الملاحة، ثم يتحول إلى أيام رحلة أطول، ووقود أكثر، وطاقة سفن أقل، وتأمين أعلى. أما وصول هذه القنوات إلى أسعار النفط أو المستهلكين، فيبقى مشروطاً بمدة الاضطراب، وحجم التدفقات المتأثرة، وحالة الطلب والمخزونات، وليس نتيجة آلية واحدة.