تخصيص رأس المال في أرامكو: دلالات زيادة الأرباح الأساسية وتخصيص أسهم الخزينة للموظفين
أعلنت أرامكو السعودية زيادة أرباحها الأساسية للربع الرابع من عام 2025 إلى 82.08 مليار ريال، بالتوازي مع إطلاق برنامج لشراء 350 مليون سهم لمصلحة حوافز الموظفين. تعكس هذه الخطوات استراتيجية الشركة في تقديم عوائد مستدامة للمساهمين والتكيّف مع تقلبات أسواق النفط العالمية، دون المساس ببرامج النمو الاستثماري طويلة الأجل.
كشفت الإفصاحات الرسمية الصادرة عن شركة الزيت العربية السعودية (أرامكو السعودية) عبر السوق المالية السعودية (تداول) في 10 مارس 2026، عن قرارات استراتيجية في إدارة رأس المال والسياسة النقدية للشركة. جاء الإفصاحان رقم 97212 و97213 بالتزامن مع إعلان النتائج المالية السنوية لعام 2025، محددين مسارين متوازيين: الأول يركز على زيادة توزيعات الأرباح الأساسية للمساهمين، والثاني يستهدف بناء محفظة أسهم خزينة لدعم برامج حوافز الموظفين والتنفيذيين على المدى الطويل.
تفاصيل توزيعات الأرباح الأساسية عن الربع الرابع من 2025
وفقاً للإفصاح رقم 97212 المنشور على موقع السوق المالية السعودية، أقر مجلس إدارة أرامكو السعودية توزيع الأرباح الأساسية (Base Dividend) عن الربع الرابع من عام 2025 بإجمالي قدره 82.08 مليار ريال سعودي (21.89 مليار دولار أمريكي). بلغ حصة السهم العادي الواحد من هذه التوزيعات 0.3393 ريال سعودي، مستهدفة 241,920,053,370 سهماً مستحقاً للربح.
تمثل هذه التوزيعات زيادة متتابعة بنسبة 3.5% مقارنة بأرباح الربع الثالث من عام 2025 (والتي بلغت 0.3278 ريال للسهم)، وهو ما يحقق هدف أرامكو المعلن بزيادة توزيعاتها الأساسية بصورة تدريجية ومستدامة.
حدد الإفصاح الرسمي الجدول الزمني لمستحقي الأرباح على النحو التالي:
- تاريخ قرار مجلس الإدارة: 9 مارس 2026.
- تاريخ الأحقية: 16 مارس 2026، للمساهمين المالكين للأسهم والمقيدين في سجل مساهمي الشركة لدى مركز إيداع الأوراق المالية ببنهاية ثاني يوم تداول يلي تاريخ الأحقية.
- تاريخ التوزيع: 31 مارس 2026.
وبهذا التوزيع، بلغت إجمالي المبالغ الموزعة على المساهمين خلال عام 2025 كاملاً نحو 320.4 مليار ريال سعودي (85.5 مليار دولار أمريكي)، وشملت الأرباح الأساسية والأرباح المرتبطة بالأداء.
معادلة الأرباح المستدامة في ظل تراجع صافي دخل عام 2025
تكتسب زيادة الأرباح الأساسية أهمية تحليلية خاصة عند ربطها بالنتائج المالية السنوية الصادرة في الإفصاح رقم 97211. فقد أظهرت أرقام أرامكو أن صافي الدخل لعام 2025 بلغ 392.5 مليار ريال سعودي (104.7 مليار دولار أمريكي)، بإنخفاض نسبته 12.1% مقارنة بآداء عام 2024. ونتج هذا التراجع أساساً عن انخفاض أسعار النفط الخام العالمية (حيث تراجع خام برنت المرجعي بنحو 14% خلال العام) إلى جانب ضغوط هوامش تكرير المشتقات النفطية والاضطرابات الجيوسياسية في خطوط الشحن بالبحر الأحمر ومضيق هرمز.
لم تمنع هذه التراجعات في الأرباح الصافية الشركة من رفع توزيعاتها الأساسية، نظراً لطبيعة إطار توزيع الأرباح في أرامكو، والذي يفرق بين مكونين رئيسيين:
- الأرباح الأساسية: حد أدنى مستهدف ومستقر تسعى الشركة لزيادته تدريجياً وبشكل مستدام عبر الدورة الاقتصادية، بغض النظر عن تقلبات أسعار النفط قصيرة المدى.
- الأرباح المرتبطة بالأداء: مكون متغير يعتمد على تحقيق تدفقات نقدية حرة فائضة، ويُحسب بنسبة 70% تقريباً من التدفقات النقدية الحرة السنوية المجمعة بعد خصم الأرباح الأساسية والالتزامات النقدية الأخرى.
يعكس هذا الهيكل قدرة أرامكو على فصل التوزيعات الأساسية عن التقلبات الدورية لأسعار الخام، مدعومة بتدفقات نقدية حرة بلغت 320.4 مليار ريال سعودي (85.4 مليار دولار أمريكي) في 2025، وميزانية عمومية متينة شهدت تحسن نسبة المديونية إلى 3.8% بنهاية ديسمبر 2025 مقارنة بـ 4.5% في العام السابق.
آليات برنامج إعادة شراء الأسهم وأسهم الخزينة
تزامن إعلان الأرباح مع الإفصاح رقم 97213، الذي أعلن فيه مجلس إدارة أرامكو موافقته على تنفيذ عملية إعادة شراء الأسهم (Share Repurchase) عن طريق السوق المفتوحة. حدد القرار سقوف البرامج في النطاقات التالية:
- العدد الأقصى للأسهم: 350,000,000 (350 مليون) سهم عادي.
- الحد الأقصى للمبلغ: 11.3 مليار ريال سعودي (3.0 مليارات دولار أمريكي).
- الغرض المباشر: الاحتفاظ بها كـ "أسهم خزينة" (Treasury Shares) لتخصيصها لمصلحة برنامج خطط أسهم الموظفين.
تنفّذ عمليات الشراء تدريجياً عبر السوق المفتوحة خلال فترة ممتدة تصل إلى 18 شهراً من تاريخ قرار مجلس الإدارة الصادر في 9 مارس 2026. وأوضح الإفصاح أن الشركة حصلت على الموافقات التنظيمية التي تتيح لها الاحتفاظ بهذه الأسهم كأداء خزينة لمدة تصل إلى 10 سنوات من تاريخ موافقة المجلس، دون ملزمية لبيعها أو إعادة تخصيصها خلال تلك الفترة.
تُموّل العملية بالكامل من الموارد النقدية الذاتية للشركة، مما يعني عدم الحاجة للاستدانة أو فرض التزامات تمويلية إضافية للوفاء بأهداف البرنامج.
حوكمة الشراء وأثرها على هيكل ملكية المساهمين
تختلف طبيعة هذه الخطوة عن ممارسات إعادة شراء الأسهم الشائعة لدى شركات النفط العالمية الكبرى؛ إذ تنفذ شركات مثل إكسون موبيل وشيفرون وشيل عمليات شراء بمليارات الدولارات بهدف إعدام الأسهم وتقليل رأس المال التراكمي لزيادة ربحية السهم. في المقابل، تُعد عملية أرامكو إجراء حوكمة مخصصاً للموارد البشرية وتأمين خيارات التعويض القائمة على الأسهم للكتلة التنفيذية والموظفين.
يوضح جدول النسب التالية الحجم الفعلي لهذه العملية مقارنة برأس مال الشركة:
- إجمالي الأسهم المصدرة للشركة: 242 مليار سهم عادي.
- الحد الأقصى لأسهم الشراء الجديدة: 350 مليون سهم.
- نسبة العملية إلى رأس المال: ~0.14% فقط.
- نسبة أسهم الخزينة المملوكة سابقاً: ~0.04%.
من الناحية التنظيمية، استند قرار مجلس الإدارة إلى أحكام المادة 17(3) من اللائحة التنفيذية لنظام الشركات الخاصة بشركات المساهمة المدرجة في المملكة العربية السعودية. وتسمح هذه المادة للشركات بشراء أسهمها للاحتفاظ بها كأسهم خزينة لغرض برامج حوافز الموظفين بناءً على صلاحيات مجلس الإدارة المنصوص عليها في النظام الأساسي للشركة، ودون الحاجة للحصول على موافقة منفصلة من الجمعية العامة غير العادية، شريطة استيفاء متطلبات الملاءة المالية التي أكد الإفصاح تلبيتها بالكامل.
طبقاً للأنظمة المالية، لا تتمتع أسهم الخزينة بأي حقوق تصويت في جمعيات المساهمين، ولا تستحق أي توزيعات أرباح طوال فترة احتفاظ الشركة بها. وتضمن آلية الشراء عبر السوق المفتوحة تغذية برنامج أسهم الموظفين دون التسبب في تخفيض نسبة ملكية المساهمين الحاليين (Dilution)، وهو ما كان سيحدث في حال إصدار أسهم جديدة لهذا الغرض.
التوازنات المالية بين الإنفاق الرأسمالي والتوسعات الاستراتيجية
تظهر إفصاحات أرامكو أن إدارة رأس المال تسير بالتوازي مع الالتزام ببرامج الإنفاق الرأسمالي الكبرى. فقد سجلت النفقات الرأسمالية للشركة في عام 2025 نحو 195.9 مليار ريال سعودي (52.2 مليار دولار أمريكي)، بينما حددت الشركة توجيهات النفقات الرأسمالية لعام 2026 بين 187.5 و206.3 مليار ريال سعودي (50.0 إلى 55.0 مليار دولار أمريكي).
تُوجّه هذه النفقات لتنفيذ مشاريع استراتيجية تشمل:
- تطوير حقل الجافورة للغاز غير التقليدي ومعمل الغاز في التناجيب.
- زيادة الطاقة الإنتاجية المخصصة لبيع الغاز بنسبة 80% بحلول عام 2030 مقارنة بمستويات عام 2021.
- مواصلة مشاريع الزيادة المقررة لإنتاج النفط الخام من حركتي التوسع في حقلي مرجان وبري.
تثبت البيانات المكتملة لعام 2025 أن أرامكو حافظت على إمكانية تمويل مشاريع النمو الرأسمالي بالتزامن مع تسديد 82.08 مليار ريال كأرباح أساسية للربع الرابع وتخصيص 11.3 مليار ريال كحد أقصى لبرنامج أسهم الخزينة. وعلى الرغم من أن المدى الزمني للـ 18 شهراً يمنح الوسيط المالي لأرامكو مرونة كاملة في اختيار توقيت الشراء وأسعاره بحسب ظروف التداول في "تداول"، فإن الالتزامات المالية المعلنة تأتي ضمن الحدود التي تسمح بها التدفقات النقدية التشغيلية للشركة ومستويات مديونيتها المنخفضة.