مناورة «سلطة المضيق».. كيف تحوّل إيران تهديد هرمز إلى ولاية تنظيمية لكسب الوقت؟
تستغل طهران موقعها الجغرافي على مضيق هرمز لدمج المماطلة الدبلوماسية مع فرض آليات إدارية جديدة على الملاحة البحرية، مراهنة على استنزاف الوقت والذخائر الأمريكية لدفع واشنطن نحو قبول واقع إشرافي جديد في أهم معابر الطاقة العالمية.
مع تصاعد التحذيرات الأمريكية بشأن استئناف الضربات العسكرية الواسعة، لا تقتصر الاستراتيجية الإيرانية في مضيق هرمز على التهديد العسكري التقليدي أو إغلاق الممر بالكامل. بدلاً من التعامل مع المضيق بوصفه مفتاحاً يتم إغلاقه أو فتحه بقرار عسكري خاطف، تعتمد طهران مناورة معقدة تدمج بين القنوات الدبلوماسية الإقليمية، والرسائل المتناقضة، والضغط الإداري المتواصل. وتهدف هذه الاستراتيجية إلى تحويل حالة التعطيل العسكري المؤقت إلى نظام إشرافي وتنظيمي دائم، يضمن لطهران مكاسب سياسية ومالية حتى بعد انتهاء المواجهة المباشرة.
التوغل البيروقراطي: من التهديد بالسلاح إلى «سلطة المضيق»
لم تعد الإدارة الإيرانية لملف مضيق هرمز تقتصر على زرع الألغام البحرية أو نشر الزوارق السريعة التابعة للحرس الثوري، بل انتقلت إلى مأسسة أداة الضغط عبر أطر تنظيمية. ففي الخامس من مايو 2026، أعلنت طهران عن إنشاء «سلطة مضيق الخليج العربي» (PGSA)، وهي هيئة إدارية استحدثتها لفرض تصاريح تشغيلية وإخطارات مسبقة على جميع السفن التجارية قبل عبورها.
تطالب هذه السلطة الإيرانية مالكي السفن وناقلات النفط بتقديم إقرار معلومات تفصيلي قبل 48 ساعة من الملاحة، يتضمن بيانات الملكية، وجنسيات الطاقم، وطبيعة الشحنة، ووثائق التأمين. ومع تقديم تأمين مدعوم إيرانياً في المراحل الأولى لتسهيل الامتثال، تسعى طهران إلى تثبيت ولاية قضائية وإدارية دائمين على الممر المائي، مستغلة ظروف الحرب لتغيير قواعد المرور المعمول بها عقوداً.
يرتكز الخلاف القانوني في هذا السياق على تفسير قواعد الملاحة الدولية؛ إذ تنص المادتان 37 و38 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 على حق «المرور العابر» (Transit Passage) دون عوائق أو رسوم عبر المضايق الدولية. وفي المقابل، تمسكت إيران—التي وقعت على الاتفاقية دون أن تصدق عليها رسمياً—بأن المضيق يتكون من مياه إقليمية مقسمة، مما يمنحها الحق في تطبيق قواعد «المرور البريء» (Innocent Passage)، التي تتيح إخضاع السفن للتفتيش الأمني وفرض الاشتراطات التنظيمية.
مقترح تقسيم الممرات والرسوم: الخلاف على حدود السيادة
في إطار المفاوضات التي تجري بوسطاء إقليميين في سلطنة عمان، قدم المفاوضون الإيرانيون مقترحاً فنياً لإعادة تنظيم الحركة الملاحية في المضيق، ينص على تقسيم الممرات البحرية بين إيران وعمان بدلاً من نظام تقسيم الحركة الملاحية (TSS) المعمول به منذ عام 1968 تحت إشراف المنظمة البحرية الدولية.
ينص المقترح الإيراني المطروح في مسودة المحادثات العمانية على الترتيبات التالية:
- حركة الدخول: تعبر السفن المتجهة إلى الخليج عبر قناة تقع داخل المياه الإقليمية الإيرانية، وتخضع لموافقة وإذن مباشرين من «سلطة مضيق الخليج العربي».
- حركة الخروج: تمر السفن المغادرة بالقرب من الساحل العماني، على أن تتولى السلطات العمانية إخطار الجانب الإيراني ببيانات الشحنات والمشغلين.
- رسوم الخدمات: تقترح طهران فرض «رسوم خدمات» (Service fees) على الناقلات لقاء خدمات إدارة المرور، والسلامة البحرية، والتقييم البيئي، على أن تقسم العائدات مناصفة بنسبة 50% لكل من إيران وعمان.
تعد الإدارة الأمريكية ودول الخليج العربي هذا المقترح محاولة لشرعنة الجباية غير القانونية وفرض سيادة أحادية على ممر مائي دولي. ولا يمثل هذا الطرح الإيراني العماني اتفاقاً نهائياً أو مقبوصاً من واشنطن، بل هو صيغة تفاوضية تتضمن شروطاً ترفضها الإدارة الأمريكية بشدة وتصر في المقابل على استعادة حرية الملاحة الكاملة دون شروط أو رسوم.
الرسائل المزدوجة: الفصل بين الدبلوماسية والحرس الثوري
تعتمد طهران على هيكل إعلامي ودبلوماسي مزدوج لإرباك صانع القرار الأمريكي والحفاظ على حالة عدم اليقين في أسواق الطاقة. فبينما ينشط المسار الدبلوماسي عبر وزارة الخارجية الإيرانية والوسطاء في عمان وقطر وباكستان لمناقشة الترتيبات الفنية ورفع الحصار البحري، يتبنى الحرس الثوري والمؤسسات الإعلامية المقربة منه خطاباً رافضاً للتنازلات.
تتجلى هذه المناورة في نفي المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي وجود أي مفاوضات مباشرة مع واشنطن، مقتصراً على إيقاع المحادثات غير المباشرة عبر مسقط، ومؤكداً أن ترتيبات الملاحة «لن تعود بأي حال إلى وضع ما قبل الحرب». وفي الوقت نفسه، تنشر وسائل إعلام مقربة من الحرس الثوري، مثل وكالة «فارس»، بيانات تؤكد جاهزية القوات الصاروخية وتكذب تقارير التوصل إلى اتفاقات التهدئة.
تخدم هذه الرسائل المزدوجة غرضين استراتيجيين: الأطراف الدولية تُحث على التريث وعدم التصعيد العسكري أملاً في نجاح الدبلوماسية، بينما تظل التهديدات الميدانية قائمة لردع الملاحة التجارية ورفع تكاليف التأمين على الناقلات الراغبة في العبور.
“ ┌─────────────────────────────────────────────────────────────────────────┐ │ مواقف الأطراف من قواعد الملاحة في مضيق هرمز │ ├─────────────────────────────────────────────────────────────────────────┤ │ الولايات المتحدة والمجتمع الدولي: │ │ • تطبيق حق "المرور العابر" الشامل وفق اتفاقية قانون البحار. │ │ • رفض فرض أي تصاريح مسبقة أو رسوم عبور على السفن التجارية. │ ├─────────────────────────────────────────────────────────────────────────┤ │ الموقف الإيراني (إطار سلطة PGSA): │ │ • تطبيق قواعد "المرور البريء" وإخضاع الدخول لإذن إيراني مباشر. │ │ • فرض إخطار مسبق بـ 48 ساعة واستيفاء "رسوم خدمات" بيئية وأمنية. │ └─────────────────────────────────────────────────────────────────────────┘ “
حسابات الوقت والاستنزاف: المراهنة على أرقام الطاقة والذخائر
تقوم الحسابات الاستراتيجية الإيرانية خلال مهلة المفاوضات على مبدأ الاستنزاف المزدوج: العسكري والسياسي. فمع تراجع قدرات القوات البحرية التقليدية الإيرانية جراء المواجهات التي بدأت في 28 فبراير 2026، تدرك طهران أن خطورة ورقة هرمز تكمن في قيمتها الاقتصاديّة الحاكمة لأسواق النفط والغاز.
يمر عبر مضيق هرمز نحو 20% من إجمالي تدفقات النفط المحمول بحراً عالمياً—ما يعادل 20 إلى 21 مليون برميل يومياً—بالإضافة إلى نحو 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال. وخلال ذروة التصعيد في شهري مارس وأبريل 2026، تراجعت حركة العبور اليومية من 100 سفينة إلى أرقام أحادية، وقدرت المنظمة البحرية الدولية وجود أكثر من 2000 سفينة و20 ألف بحار علقوا داخل الخليج العربي.
ألقى هذا التعطيل بظلاله على المصدرين الإقليميين؛ إذ أظهرت بيانات شركة تسويق النفط العراقية (سومو) تقديم خصومات قياسية تراوحت بين 25.00 و29.80 دولاراً للبرميل على خامي البصرة المتوسط والثقيل في أوائل أغسطس 2026، لتعويض المشترين عن المخاطر الاستثنائية التي يفرضها العبور عبر المضيق.
تراهن طهران من خلال إطالة أمد المحادثات التفاوضية على العوامل التالية:
- استنزاف الذخائر الأمريكية: استهلاك المخزونات الموجهة عالية الدقة وصواريخ الاعتراض البحرية التي تستخدمها القوات الأمريكية لحماية الناقلات وضربه المواقع الساحلية.
- الضغط الاجتماعي والاقتصادي: استغلال حساسيات أسعار الطاقة عالمياً؛ حيث أدت تصريحات وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت لشبكة CNBC في 4 أغسطس 2026 بشأن قرب التوصل للاتفاق إلى تراجع أسعار خام برنت فوراً بنسبة ناهزت 4% لتنخفض دون 80 دولاراً للبرميل، مما يبرز الأثر الفوري لأي تغير في ملف المضيق على التضخم الأسواق الغربية.
الانقسام الداخلي في طهران: بين واقعية ظريف وراديكالية المحافظين
لا تحظى استراتيجية المناورة المفتوحة بإجماع كامل داخل أروقة صناعة القرار الإيرانية، بل تدور حولها سجالات حادة بين التيار السياسي الداعي للواقعية والمؤسسة العسكرية.
ظهر هذا الانقسام بوضوح عقب نشر وزير الخارجية الإيراني السابق محمد جواد ظريف مقالاً تحليلياً بعنوان «تحليق السيمرغ الإيراني»، حذر فيه من تداعيات المبالغة في استخدام ورق هرمز كأداة حصار دائم. وأوضح ظريف أن التهديد بإغلاق المضيق، رغم كونه ورقة تفاوضية قوية، يحمل مخاطر عكسية تتمثل في:
- تكتل القوى الدولية: إمكانية توحيد القوى الكبرى، بما فيها الصين وروسيا، ضد إيران؛ حيث تعتمد بيكين بشكل حيوي على استقرار تدفقات الطاقة من الخليج العربي.
- تسريع الطرق البديلة: تشجيع دول الجوار الخليجي على ضخ استثمارات ضخمة طويلة الأجل في خطوط الأنابيب البرية والموانئ الواقعة خارج الخليج، مثل توسيع خط شرق-غرب في السعودية، مما يضعف الأهمية الجيوستراتيجية لـ هرمز على المدى الطويل.
في المقابل، يرفض التيار المحافظ المقرب من الحرس الثوري أي تنازل عن الإشراف البحري، مؤكداً أن تقديم تنازلات مجانية في المضيق سيجر ضربات عسكرية أمريكية تهدف إلى تغيير النظام أو تجريده من أوراقه الإقليمية.
الحدود الفاصلة بين تصريحات التهدئة والواقع الميداني
شهدت الساحة الدبلوماسية في أوائل أغسطس 2026 تضارباً بين النبرة التفاوضية المتفائلة والواقع العسكري الميداني. فبينما حدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إطاراً زمنياً حاسماً أطلق عليه «الفرصة الأخيرة» لإبرام اتفاق يعيد فتح المضيق، ألمح مسؤولون أمريكيون إلى إمكانية التوصل لترتيبات تتضمن إعادة الفتح خلال 24 إلى 48 ساعة.
غير أن التطورات الميدانية تظهر أن خطر المواجهة لم ينتفِ؛ إذ تلقت سفينة بضائع تجارية ضربة بمقذوف غير محدد على بعد 23 ميلاً بحرياً قبالة سواحل عمان في مضيق هرمز في الرابع من أغسطس 2026. وتؤكد هذه الحوادث المتكررة أن التصريحات السياسية بشأن «قرب الاتفاق» لا تعني زوال المخاطر الأمنية أو رفع الجاهزية العسكرية.
تظل العودة إلى وضع الملاحة الذي كان سائدًا قبل الحرب مرهونة بمدى قبول الأطراف بالحلول الوسط؛ فبينما تتمسك واشنطن بالعودة الكاملة لحرية العبور دون شروط، تواصل طهران محاولاتها لانتزاع اعتراف ضمني بـ «سلطة مضيق الخليج العربي»، مما يجعل من كل خطوة تفاوضية اختباراً لدقة الحسابات بين الطرفين.