نظام التعليم السعودي الجديد يفتح سوقاً مشروطة
الإصلاح يوحّد الحوكمة ويعترف بدور القطاع الخاص والتعليم الافتراضي، لكنه يترك الاستثمار الأجنبي والفرص التجارية العملية رهناً باللوائح التي ستصدر لاحقاً.
نشرت جريدة أم القرى الرسمية في ٢٤ يوليو ٢٠٢٦ المرسوم الملكي رقم م/٣٦ بالموافقة على نظام التعليم العام الجديد في السعودية. بهذا المعنى، لم تعد المسألة تعبيراً عاماً عن تحديث التعليم، بل تحولت إلى نص نظامي يبدأ منه ترتيب جديد للقطاع: مجلس لشؤون التعليم العام، تعريف أوضح للمؤسسات التعليمية الأهلية وغير الربحية والافتراضية، وصلاحيات واسعة لإصدار لوائح ستحدد لاحقاً كلفة الترخيص وحدود التشغيل والدعم واستخدام المباني والأصول.
أهمية النظام لا تأتي من كونه يعلن خصخصة التعليم العام، فهذا ليس ما يفعله النص. أهميته أنه ينقل قطاعاً شديد الارتباط بالدولة من إطار قديم ومجزأ إلى بنية تنظيمية تسمح بتوسيع مشاركة رأس المال الخاص والمنظمات غير الربحية وشركات التقنية التعليمية، ضمن قواعد يفترض أن تكون أكثر وضوحاً. الفارق حاسم للمستثمرين: الوضوح التنظيمي يفتح الباب للدراسة الجدية، لكنه لا يصنع وحده سوقاً مفتوحة أو عائداً مضموناً.
الدولة لا تنسحب من التعليم؛ إنها تعيد تنظيم المساحة التي يمكن للقطاع الخاص أن يعمل داخلها.
من سياسة تعليم قديمة إلى مجلس ينسق الاستثمار والحوكمة
يلغي القرار المرتبط بالنظام وثيقة سياسة التعليم في المملكة العربية السعودية لعام ١٩٦٩، كما يلغي قواعد ولوائح أقدم شملت إنشاء مدارس التعليم العام، ولائحة المدارس الأهلية، ولائحة المدارس الأجنبية، وقواعد تعيين مديري المدارس الأهلية، وأحكاماً أخرى تتصل بأنماط تعليمية محددة. غير أن الإلغاء لا يعني قطيعة فورية مع كل القواعد السابقة؛ فالأحكام الملغاة تستمر مؤقتاً إلى أن يعتمد مجلس شؤون التعليم العام الأحكام البديلة اللازمة، خلال مدة لا تتجاوز سنة من تاريخ نفاذ النظام.
هذه المرحلة الانتقالية مهمة اقتصادياً. فهي تمنع قراءة متعجلة ترى في صدور النظام انقلاباً فورياً في قواعد الملكية أو الترخيص أو الشراء الحكومي. المستثمر الذي ينظر إلى المدارس الأهلية أو الأجنبية، أو إلى تشغيل منصات رقمية، سيجد أن النص الجديد يرسم الخريطة المؤسسية، لكنه يترك التفاصيل الحاسمة للوائح لاحقة.
ينشئ النظام مجلس شؤون التعليم العام برئاسة وزير التعليم، وتضم عضويته نواب وزراء من الاقتصاد والتخطيط، والموارد البشرية، والمالية، والثقافة، والرياضة، والاستثمار، والصحة، إضافة إلى رئيس هيئة تقويم التعليم والتدريب وأربعة متخصصين في التعليم، بينهم ممثلان عن القطاعين الخاص وغير الربحي. ووفق ما نشرته أم القرى، يباشر المجلس صلاحياته من تاريخ نشر المرسوم في الجريدة الرسمية.
تركيبة المجلس تكشف فلسفة الإصلاح. التعليم لم يعد ملفاً إدارياً داخل وزارة واحدة، بل أصبح ملفاً متقاطعاً مع الاستثمار وسوق العمل والمالية العامة والصحة والثقافة والرياضة. وجود وزارة الاستثمار وممثلين عن القطاعين الخاص وغير الربحي لا يمنح تلقائياً حقوقاً جديدة للمستثمر الأجنبي، لكنه يدخل الاعتبارات التجارية والتمويلية إلى مسار وضع السياسات التعليمية. كما يملك المجلس صلاحية اعتماد الخطط والسياسات والاستراتيجيات الخاصة بالتعليم العام، مع مراعاة اختصاصات الجهات الأخرى، ما يعني أن النظام يسعى إلى تنسيق القرار لا إلى إلغاء بقية السلطات التنظيمية.
أين تظهر الفرص التجارية؟
أوضح ما يقدمه النظام للمستثمرين هو الاعتراف الصريح بفئات قابلة للتنظيم والترخيص. فهو يعرّف المؤسسة التعليمية الأهلية بأنها منشأة يملكها القطاع الخاص أو القطاع غير الربحي، ومرخصة من وزارة التعليم لتقديم التعليم العام لمرحلة أو أكثر، أو لتقديم خدمات تعليمية وتربوية لفئات محددة مثل الموهوبين وذوي الإعاقة. ويعرّف كذلك المؤسسات التعليمية الافتراضية بأنها مؤسسات أو منصات إلكترونية حكومية أو أهلية مرخصة لتقديم خدمات تعليمية عبر التعليم الإلكتروني لأي مرحلة من مراحل التعليم العام.
هذا الاعتراف لا يخلق السوق من الصفر، لكنه يمنحها لغة قانونية أوضح. بالنسبة إلى مشغلي المدارس، يعني ذلك أن المدارس الأهلية وغير الربحية ستخضع للائحة جديدة يعتمدها المجلس. وبالنسبة إلى شركات التقنية التعليمية، يضع النظام التعليم الافتراضي ضمن فئة نظامية مستقلة، بدلاً من التعامل معه كخدمة ملحقة أو منطقة رمادية. وبالنسبة إلى مقدمي الخدمات المتخصصة والاستشارات التعليمية والتربوية، يمنح المجلس صلاحية اعتماد لوائح تنظم عملهم، بما في ذلك تحديد المقابل المالي لإصدار التراخيص وتجديدها.
هنا تظهر أول آلية تجارية مباشرة: الترخيص. فكلما اتضحت شروط الترخيص، ومعايير التجديد، والرسوم، وإجراءات الامتثال، أصبح بوسع الشركات بناء نماذج مالية أدق. في المقابل، إذا جاءت اللوائح شديدة التعقيد أو مرتفعة الرسوم أو متعددة الموافقات، فقد يتحول الوضوح نفسه إلى قيد على دخول السوق. وينص القرار على أن يمارس المجلس صلاحية تحديد المقابل المالي للتراخيص وفق الإطار الوطني للرسوم والمقابلات المالية الصادر بقرار مجلس الوزراء رقم ٦١١ بتاريخ ١٤٤٧/٠٨/٢٢، ما يربط تسعير التراخيص بإطار حكومي أوسع ولا يتركه بالكامل لتقدير قطاع التعليم وحده.
تتسع المساحة التجارية أيضاً في الطفولة المبكرة والبنية التحتية. فالمجلس يملك صلاحية اعتماد اللوائح الخاصة بمرحلة الحضانة ورياض الأطفال، والقواعد المنظمة لإشغال مباني المؤسسات التعليمية وتشغيلها. وهذا يهم شركات إدارة المدارس، ومشغلي رياض الأطفال، ومطوري العقارات التعليمية، وصناديق البنية التحتية التي تبحث عن أصول طويلة الأجل ذات طلب مستقر. لكنه يظل مرتبطاً بسؤالين عمليين: كيف ستُطرح الأصول؟ ومن يتحمل مخاطر التشغيل والطلب والصيانة؟
الأكثر دلالة في هذا السياق أن قرار مجلس الوزراء يوجه وزير التعليم ووزير المالية إلى الاتفاق على ما يتصل باستثمار الأصول والعقارات المخصصة للتعليم العام والمملوكة لوزارة التعليم، وعلى آليات تمكّن من استخدام الإيرادات والغرامات ورسوم الخدمات والتراخيص لدعم الاستدامة المالية. هذه الصياغة تقرب التعليم من منطق إعادة استخدام أصول الدولة وتوليد إيرادات مساندة، وهي سمة مركزية في إصلاحات المالية العامة المرتبطة برؤية ٢٠٣٠. لكنها لا ترقى، بذاتها، إلى إعلان برنامج شراكات عام وخاص أو طرح منافسات محددة.
الفرصة الاستثمارية هنا تنظيمية قبل أن تكون تعاقدية.
رؤية ٢٠٣٠: رأس مال بشري وسوق عمل لا خصخصة تلقائية
ينسجم النظام الجديد مع برنامج تنمية القدرات البشرية ضمن رؤية السعودية ٢٠٣٠. فالبرنامج يقول إن استراتيجيته تشمل مراحل التعلم من الطفولة المبكرة إلى التعلم مدى الحياة، وإنها مصممة لإشراك الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمنظمات غير الربحية في العمل المشترك. كما تشمل أهدافه تحسين الوصول إلى التعليم، وتحسين مخرجات التعلم الأساسية، ومواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل، وتوسيع التدريب المهني، وتحسين جاهزية الشباب للعمل، ورعاية الابتكار وريادة الأعمال.
هذه الصلة تفسر لماذا يهم نظام التعليم العام المستثمرين حتى لو لم يتضمن نصاً صريحاً عن فتح الملكية الأجنبية. فالتعليم، في اقتصاد يسعى إلى تقليل الاعتماد على النفط، يتحول إلى بنية تحتية للإنتاجية. جودة المدرسة، وانتشار رياض الأطفال، والتعلم الرقمي، والخدمات المتخصصة، كلها عناصر تؤثر في سوق العمل وفي قدرة الاقتصاد على خلق وظائف عالية المهارة. وتعرض صفحة برنامج تنمية القدرات البشرية مستهدفات لعام ٢٠٢٥ تشمل وصول الالتحاق برياض الأطفال إلى ٤٠٪، ووجود ست جامعات سعودية ضمن أفضل ٢٠٠ جامعة عالمياً، واحتلال المرتبة ٤٥ في مؤشر رأس المال البشري الصادر عن البنك الدولي، وزيادة توطين الوظائف عالية المهارة بنسبة ٤٠٪. هذه المستهدفات تضغط باتجاه إدارة أكثر كفاءة للقطاع، حتى قبل الحديث عن فتح تجاري واسع.
كما يرتبط الإصلاح ببرنامج التحول الوطني، الذي تشمل محاوره تمكين القطاع الخاص، وتحقيق التميز الحكومي، وتطوير الشراكات الاقتصادية. ومن أهدافه تحسين سهولة ممارسة الأعمال، وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، وتطوير الاقتصاد الرقمي. لكن هذه الخلفية العامة لا تكفي وحدها للقول إن الاستثمار الأجنبي في التعليم العام أصبح محرراً أو أن الشركات العالمية ستدخل فوراً. أثر النظام سيتحدد عندما تظهر اللوائح التنفيذية: هل ستوضح وضع المشغل الأجنبي؟ هل ستسهل الترخيص للمنصات الرقمية؟ هل ستنشئ مسارات واضحة لاستخدام الأصول التعليمية؟ هل ستسمح بنماذج إدارة وتشغيل طويلة الأجل؟
أفادت وزارة التعليم، بحسب ما نقلته صحيفة سعودي غازيت، بأنها ستعمل مع الجهات الحكومية ذات الصلة لاستكمال اللوائح التنفيذية اللازمة لتطبيق النظام وضمان تنفيذه بفاعلية. هذه العبارة تحدد المرحلة المقبلة: من نص يؤسس الحوكمة إلى قواعد تفصيلية تصنع شروط السوق.
في المحصلة، يغيّر نظام التعليم العام السعودي شروط الاستثمار من خلال ترتيب الحوكمة وتعريف الفاعلين وفتح مسارات تنظيمية للمدارس الأهلية وغير الربحية والتعليم الافتراضي والخدمات المتخصصة واستثمار الأصول. لكنه لا يحول التعليم العام إلى سوق حرة، ولا يثبت وحده حدوث موجة استثمار أجنبي قريب. قيمته الكبرى أنه ينقل القطاع إلى مرحلة يمكن فيها قياس الفرص والمخاطر بأدوات أوضح. فإذا جاءت اللوائح التنفيذية منسجمة مع أهداف رأس المال البشري والتحول الوطني، فقد يصبح التعليم أحد ميادين التنويع الاقتصادي العملي. أما إذا بقيت الإجراءات معقدة أو غامضة، فسيظل النظام خطوة حوكمة كبيرة أكثر منه فتحاً تجارياً كاملاً.