Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
EXPLAINERS

إطار المياه العراقي التركي: التمويل قبل الحصص

إنفاذ بغداد للاتفاق يحوّل التعاون المائي من إعلان سياسي إلى مسار مشروعات وتمويل مشروط، من دون أن يغيّر بذاته قواعد تقاسم دجلة والفرات.

قال تقرير صنداي غارديان الصادر في السادس والعشرين من يوليو إن مجلس الوزراء العراقي وافق على إنفاذ الاتفاق الإطاري العراقي التركي المتعلق بالموارد المائية، وإن مشروعات التمويل المرتبطة به مقررة لدخول حيز التأثير في الأول من سبتمبر. أهمية هذا الإعلان لا تأتي من كونه يضيف بنداً جديداً إلى سجل طويل من التفاهمات المائية بين بغداد وأنقرة، بل من أنه يضع اتفاقاً قائماً منذ عامين تقريباً على عتبة التشغيل العملي: مشروعات، مناقصات، تمويل، ولجنة مشتركة تتابع التنفيذ.

الفارق جوهري. فالتعاون المائي بين العراق وتركيا غالباً ما يُقرأ من زاوية واحدة: كمّية المياه العابرة للحدود، وحصص دجلة والفرات، وتأثير السدود والجفاف. أما هذا الإطار، وفق النص المنشور في مشروع قاعدة بيانات الاتفاقات البيئية الدولية في جامعة لافال نقلاً عن فاوليكس، فيتحرك في مساحة مختلفة. إنه لا يقدّم جدولاً رقمياً للتدفقات، ولا يعلن تسوية شاملة للخلاف المائي. ما يفعله هو تنظيم قناة لتنفيذ مشروعات داخل العراق، بتمويل مرتبط بمشتريات تركيا من النفط العراقي، وبمشاركة شركات تركية عبر إجراءات عراقية.

التحول هنا إداري ومالي قبل أن يكون هيدرولوجياً.

من اتفاق سياسي إلى مسار قابل للتعاقد

العنوان الرسمي للوثيقة هو «اتفاق إطاري بشأن التعاون في مجال المياه بين حكومة الجمهورية التركية وحكومة جمهورية العراق». وقد اعتُمد الاتفاق في بغداد في الثاني والعشرين من أبريل عام ألفين وأربعة وعشرين، كاتفاق ثنائي في مجال المياه العذبة. وتقول صياغته إنه يشكل أساساً لـ«إطلاق وإرساء نهج جديد للعلاقات الاقتصادية» بين البلدين، من خلال تنفيذ مشروعات بنية تحتية للموارد المائية ومشروعات استثمارية مرتبطة بالمياه في العراق.

هذا التوصيف يشرح طبيعة الاتفاق أكثر مما تفعل العناوين السياسية. فالمادة الثانية تفتح الباب، بناء على دعوة، أمام شركات تركية متخصصة للمشاركة في إجراءات المناقصات العراقية في مجالات واسعة: البنية التحتية المائية، حماية البيئة والمياه، الاستخدام المستدام والفعال للمياه، التحلية، الحماية من الفيضانات والجفاف، شبكات الري والصرف، معالجة مياه الصرف، جمع المياه المستعملة ومعالجتها وإعادة استخدامها، ومياه الصرف الصناعية. كما تشمل المادة نفسها مشروعات لتحسين الإدارة المستدامة للمياه في دجلة والفرات، وتحقيق الاستخدام الأمثل لها في الزراعة والصناعة والبلديات ومياه الشرب داخل العراق.

وتزداد الصورة وضوحاً مع البنود الأكثر تقنية: مشروعات لحصاد المياه في العراق، سلامة السدود، تأهيل السدود القائمة، وتحديث أنظمة الري، بما في ذلك الشبكات المغلقة والمضغوطة. بذلك ينقل الإطار النقاش من سؤال عام عن «التعاون» إلى سؤال تنفيذي: أي بنية تحتية يجب إصلاحها أو بناؤها؟ وأي شركات تدخل المنافسة؟ وبأي تمويل؟

إنفاذ العراق للاتفاق يعني، عملياً، أن الدولة العراقية تفتح الطريق الداخلي لاستخدام هذه الوثيقة كمرجعية لإعداد المشروعات أو طرحها أو التعاقد عليها ضمن مسار محدد. لكنه لا يعني، بمجرده، أن قائمة المشروعات أصبحت جاهزة، أو أن العقود وُقعت، أو أن المعدات ستبدأ العمل في الأول من سبتمبر. فالمادة الرابعة تنص على أن كل مشروع مشترك يخضع لاتفاق تجاري منفصل يغطي الجوانب الفنية والقانونية والمالية وغيرها، بين جهات يحددها الطرفان، وأن الاتفاقات التفصيلية تُدار لكل حالة على حدة.

التمويل: النفط بوابة للمياه

أكثر ما يميّز الإطار هو طريقة التمويل. فالمادة الثالثة تنص على تمويل المشروعات المشار إليها في المادة الثانية «بالطريقة المثلى التي يتفق عليها الطرفان»، وعلى أن يُغطى تمويل كل مشروع عبر نظام يُنشأ على أساس مشتريات تركيا من النفط العراقي، ما لم يتفق الطرفان على خلاف ذلك. هنا لا يتحدث النص عن منحة تقليدية، ولا عن قرض محدد السقف، ولا عن موازنة معلنة لمشروعات المياه. إنه يربط تمويل كل مشروع بنظام مالي يستند إلى تجارة النفط بين البلدين.

هذا الربط يمنح الإطار ثقله الاقتصادي. فالمياه، في هذه الصيغة، لا تُدار فقط عبر وزارات الري والموارد المائية، بل تدخل في بنية تبادل أوسع بين العراق وتركيا، حيث تتحول مشتريات النفط إلى قاعدة لتمويل مشروعات البنية التحتية المائية. وفي نوفمبر عام ألفين وخمسة وعشرين، وقّع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان ونائب رئيس الوزراء وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين «وثيقة آلية تمويل المشروعات بموجب الاتفاق الإطاري للتعاون في مجال المياه بين حكومة الجمهورية التركية وحكومة جمهورية العراق». وبحسب وكالة الأناضول نقلاً عن مسؤولين، تحدد تلك الآلية قواعد لضمان تنفيذ اتفاق عام ألفين وأربعة وعشرين، الذي وُقّع خلال زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى بغداد.

بموجب ما نُقل عن المسؤولين، تتولى شركات تركية تنفيذ مشروعات تحديث وبناء للبنية التحتية، بهدف استخدام موارد العراق المائية بكفاءة وفاعلية واستدامة، على أن يكون التمويل عبر نظام قائم على مبيعات النفط العراقي. وقد قدّرت وكالة الأناضول أن الاتفاق الإطاري وآلية التمويل يمثلان بداية مرحلة استراتيجية جديدة في العلاقات الاقتصادية والتجارية، وأن شركات المقاولات التركية يُتوقع أن تحصل على دخول أسهل إلى السوق العراقية وفرص جديدة في مشروعات استراتيجية.

غير أن هذا البعد التجاري لا يلغي الطبيعة الإجرائية للاتفاق. فلا تظهر في المواد المتاحة مبالغ تمويل محددة، ولا سقوف إجمالية، ولا شروط فائدة، ولا جدول مدفوعات، ولا أسماء مشروعات بعينها. لذلك فإن دلالة الأول من سبتمبر، كما وردت في تقرير صنداي غارديان، أقرب إلى بدء أثر آلية التمويل أو انتقالها إلى مرحلة تشغيلية، لا إلى إعلان مؤكد عن بدء التنفيذ الميداني لكل مشروع. قد تبدأ الإجراءات، وقد تصبح المشروعات مؤهلة للدخول في المسار المالي، لكن كل مشروع سيحتاج إلى اتفاقه التجاري وتفاصيله الفنية والمالية الخاصة.

من يقرر؟ حدود اللجنة وحدود الاتفاق

لا تمنح الوثيقة طرفاً واحداً سلطة كاملة في اختيار المشروعات أو فرض شروطها. فالمادتان الخامسة والسادسة تنشئان لجنة عليا مشتركة لمتابعة التنفيذ، وتتولى هذه اللجنة إقرار القواعد والإجراءات الخاصة بنظام مشتريات تركيا من النفط العراقي المستخدم في تمويل المشروعات المشمولة بالاتفاق. وبذلك تتوزع عملية القرار بين مسارين: مسار عراقي يتعلق بالمناقصات والدعوات والاحتياجات المحلية، ومسار ثنائي يتعلق بقواعد التمويل والمتابعة.

هذه البنية مهمة لأنها تمنع قراءة الاتفاق كتنازل عراقي عن إدارة موارده أو كمفتاح تركي منفرد لدخول السوق. الشركات التركية تستطيع المشاركة بناء على دعوة وفي إجراءات مناقصات عراقية، والتمويل يخضع لنظام يتفق عليه الطرفان، والمشروعات تحتاج إلى اتفاقات منفصلة. أما اللجنة العليا المشتركة فتعمل كآلية متابعة وضبط، لا كبديل كامل عن المؤسسات والجهات التي ستتولى إعداد الملفات الفنية والتعاقدية.

في الوقت نفسه، يضع الاتفاق حدوداً واضحة لما يستطيع فعله. المادة الثامنة تنص على أنه لا يخل بحقوق والتزامات الطرفين الناشئة عن تشريعاتهما الوطنية النافذة أو عن اتفاقات دولية أخرى يكونان طرفين فيها. والمادة التاسعة تجعل دخوله حيز النفاذ مرتبطاً بتلقي الطرفين، عبر القنوات الدبلوماسية، آخر إخطار خطي يفيد باستكمال الإجراءات القانونية الداخلية اللازمة. كما تمنحه مدة عشر سنوات، مع تمديد تلقائي لفترات متتالية مدة كل منها سنة واحدة، ما لم يرسل أحد الطرفين إشعاراً خطياً بالإنهاء قبل ستة أشهر على الأقل من انتهاء المدة، على ألا يؤثر الإنهاء في المشروعات والأنشطة التي سبق الاتفاق عليها وبدأت بموجبه.

هذه الأحكام تجعل الاتفاق إطاراً طويل النفس، لكنها لا تحوله إلى معاهدة لتوزيع المياه. فهو يتناول المشروعات والتمويل والاتفاقات التجارية والمتابعة وتسوية النزاعات ودخول الاتفاق حيز النفاذ ومدته، ولا يحدد حصصاً مائية رقمية أو كميات تدفق ملزمة عبر الحدود. لذلك فإن قيمته العملية تكمن في قدرته على تحسين إدارة المياه داخل العراق عبر بنية تحتية وتمويل قابلين للتنفيذ، لا في إعادة رسم قواعد الأنهار العابرة للحدود.

ما يتغير قبل الأول من سبتمبر هو أن بغداد، بإنفاذها الإطار، تنقل العلاقة المائية مع أنقرة إلى مرحلة يمكن فيها تحويل الأولويات الفنية إلى ملفات تمويل وتعاقد. وما لا يتغير هو جوهر الخلاف الأكبر حول المياه العابرة للحدود: لا أرقام جديدة للتدفقات، ولا حصص معلنة، ولا ضمان بأن المشروعات ستعالج بمفردها أزمة العراق المائية. بين هذين الحدين تكمن أهمية القرار. إنه لا يحل المسألة المائية، لكنه يمنح البلدين أداة عملية لاختبار ما إذا كان التعاون عبر المشروعات والتمويل يستطيع تخفيف جزء من الضغط، ولو من دون تسوية سياسية شاملة للنهرين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى