اتفاق الكويت وباكستان: تنسيق دفاعي بلا ضمان عسكري
نشر اعتماد الاتفاق يفتح باب التنفيذ الإداري عبر لجنة مشتركة وخطط سنوية وقواعد سرية، لكنه لا يحوله إلى تحالف دفاع متبادل أو ترتيب لنشر قوات.
نقل نشر اعتماد الكويت لاتفاق التعاون الدفاعي مع باكستان الاتفاق من خانة التوقيع السياسي إلى خانة التنفيذ القانوني الداخلي. فالمرسوم بقانون رقم ٧٣ لسنة ٢٠٢٦ وافق على اتفاق بين حكومتي الكويت وباكستان بشأن التعاون في مجال الدفاع، بعدما كان الاتفاق قد وُقّع في الكويت في ١١ يونيو ٢٠٢٣. وتنص المادة الثانية من المرسوم على العمل به من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية، فيما ذكرت شبكة سرمد الإعلامية أن النشر تم في الكويت اليوم في ٢٦ يوليو ٢٠٢٦.
هذا التطور لا يعني أن الكويت وباكستان دخلتا في تحالف دفاع مشترك. الأهم أنه يمنح وزارتي الدفاع في البلدين سنداً قانونياً وإدارياً لتحويل عناوين التعاون إلى اجتماعات وبرامج وتدريبات وتبادل معلومات ضمن قواعد محددة. الفارق هنا جوهري: اتفاق التعاون يسهّل العمل بين المؤسسات العسكرية، أما ضمان الدفاع المتبادل فيرتب التزاماً سياسياً وعسكرياً من نوع آخر، ولا يظهر في النص المتاح ما ينشئ مثل هذا الالتزام.
من التوقيع إلى التنفيذ: ما الذي أضافه الاعتماد؟
صدر المرسوم في قصر السيف في ١٩ يوليو ٢٠٢٦، وورد في نصه أنه موقّع من أمير الكويت ورئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية. وبموجب قاعدته الداخلية، يبدأ أثره من تاريخ النشر في الجريدة الرسمية. بذلك يصبح الاتفاق، من منظور الإدارة الكويتية، قابلاً لأن تتعامل معه الوزارات المختصة بوصفه إطاراً نافذاً لتنفيذ التزامات محددة في نطاقها.
كان توقيع الاتفاق في يونيو ٢٠٢٣ قد تم، وفق ما نشرته جريدة الأنباء الكويتية حينها، بين الشيخ طلال خالد الأحمد الصباح بصفته النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية ووزير الدفاع بالوكالة في الكويت، ورئيس هيئة الأركان المشتركة في باكستان الجنرال ساحر شمشاد ميرزا. أما الاعتماد اللاحق فيحوّل ذلك التوقيع إلى مسار مؤسسي داخل الدولة، لا إلى إعلان رمزي فحسب.
تحدد المادة الأولى هدف الاتفاق بوضع أسس للتعاون في مجالات الدفاع وتدريب القوات المسلحة، وفق القوانين والأنظمة الداخلية لكل طرف والتزاماتهما الدولية. هذه العبارة تضبط المساحة القانونية منذ البداية: التعاون ممكن، لكنه ليس مطلقاً، ولا يتجاوز ما تسمح به القوانين الوطنية والالتزامات الدولية القائمة. وتزيد المادة التاسعة هذا المعنى وضوحاً حين تنص على أن الاتفاق لا يؤثر في حقوق أو التزامات أي من الطرفين الناشئة عن معاهدات واتفاقات دولية أخرى.
تتسع مجالات التعاون المنصوص عليها لتشمل التدريب والتعليم العسكريين، والتعاون بين القوات المسلحة، واللوجستيات، وتبادل الأفراد والخبراء الفنيين والمتخصصين، والمجالات العلمية والتكنولوجية، والاستخبارات العسكرية، وأنظمة المعلومات والاتصالات الإلكترونية، والصناعات العسكرية والحربية، والتوجيه المعنوي والإعلام العسكري، والأنشطة الرياضية والمجالات الثقافية والاجتماعية، إضافة إلى أي مجالات أخرى يتفق عليها الطرفان في إطار تنفيذ الاتفاق. هذا الاتساع يعطي الاتفاق قيمة عملية، لكنه يبقى اتساعاً داخل إطار التعاون، لا داخل إطار الالتزام الدفاعي التلقائي.
القيمة الحقيقية للاتفاق تكمن في قدرته على تحويل الثقة السياسية إلى جدول عمل قابل للقياس.
اللجنة والخطط السنوية: كيف يتحول النص إلى عمل؟
تحدد المادة الرابعة وزارتي الدفاع في الكويت وباكستان بوصفهما الجهتين المختصتين بتنفيذ الاتفاق. وهذا التفصيل مهم لأنه يحصر مسار التنفيذ في مؤسسات عسكرية رسمية، ويمنع قراءة الاتفاق بوصفه ترتيبا فضفاضاً بلا جهة مسؤولة. من هنا تبدأ أهمية اللجنة العسكرية المشتركة.
تنشئ المادة الخامسة لجنة عسكرية مشتركة لتنفيذ وتنسيق التعاون في جميع المجالات العسكرية. ويعيّن وزيرا الدفاع رئيسي اللجنة ليمثلاهما في متابعة أهداف الاتفاق، على أن تجتمع اللجنة مرة سنوياً بالتناوب بين الكويت وباكستان. وبحسب النص، يمكن إدراج أي موضوع يهدف إلى تعزيز التعاون الثنائي على جدول أعمال اللجنة بعد موافقة أولية من رئيسيها. كما تراجع اللجنة الأنشطة المتفق عليها في آخر خطة تعاون ثنائية، وتعد خطة جديدة للسنة التالية.
هذه الآلية هي قلب الاتفاق. فهي لا تكتفي بتبادل المجاملات العسكرية أو الزيارات البروتوكولية، بل تفرض دورة عمل سنوية: مراجعة ما اتُفق عليه، تحديد ما سيأتي، توزيع المسؤوليات، ثم اعتماد الخطة. وتنص المادة نفسها على أن خطة التعاون الثنائية تتضمن الأنشطة والموضوعات المتفق عليها، وطرق التنفيذ، والتواريخ، والأماكن، والمؤسسات المسؤولة عن التنفيذ، وأن رئيسي اللجنة يعتمدانها.
بهذا المعنى، يمكن للخطط السنوية والبروتوكولات التنفيذية أن تنقل عناوين عامة مثل التدريب أو اللوجستيات أو التعليم العسكري إلى برامج محددة: دورة تدريب، زيارة خبراء، تمرين مشترك، برنامج تعليمي، أو تعاون في أنظمة الاتصالات. كما تنص المادة الثالثة على أن التنفيذ يراعي المنفعة المتبادلة واحتياجات الطرفين بالتساوي، وأن الطرفين يعدان خططاً سنوية للأنشطة المشتركة تشمل التدريب العسكري والتعليم العسكري والتمارين المشتركة عبر بروتوكولات وبرامج تنفيذية، إضافة إلى تعزيز التعاون من خلال الزيارات على جميع المستويات.
ولا تقف البنية الإدارية عند التخطيط فقط. فالمادة الثامنة تنظم الإجراءات المالية على أساس المعاملة بالمثل، إذ يتحمل الطرف المستقبل نفقات السفر الرسمي الداخلية، بما في ذلك الإقامة والعلاج الطبي الطارئ لضيوف الطرف المرسل خلال الزيارات الرسمية المتفق عليها. مثل هذه التفاصيل لا تصنع تحالفاً، لكنها تجعل التعاون اليومي ممكناً؛ فالزيارات والتدريب والاجتماعات تحتاج إلى قواعد مالية وإدارية واضحة حتى لا تبقى معلقة على ترتيبات ظرفية.
السرية وحدود الالتزام: تعاون منضبط لا تحالف مفتوح
تكتسب قواعد حماية المعلومات السرية أهمية خاصة لأن الاتفاق يجيز التعاون في مجالات حساسة، من بينها الاستخبارات العسكرية وأنظمة المعلومات والاتصالات الإلكترونية. غير أن النص لا يترك هذا الباب مفتوحاً بلا قيود. فالمادة السادسة تلزم الطرفين بالحفاظ على سرية المعلومات والوثائق والمواد السرية التي يحصلان عليها أثناء أداء مهامهما، وفق التشريعات الأمنية المناسبة، وباتخاذ الإجراءات الأمنية اللازمة طبقاً للقوانين والأنظمة والإجراءات والسياسات الوطنية ذات الصلة.
وتحظر المادة نفسها نقل الوثائق والمعلومات والمواد المحظورة إلى أي طرف ثالث إلا إذا منح الطرف الذي صدرت عنه المعلومات موافقة مكتوبة. كما تشترط أن تُعامل الوثائق والمعلومات والمواد المتبادلة بمستوى سرية مماثل، وأن تُنقل عبر القنوات الحكومية الرسمية أو القنوات المتفق عليها، وألا يطلع عليها إلا أشخاص مخولون من الطرفين ولأغراض رسمية فقط. وتستمر مسؤولية حماية الوثائق والمعلومات والمواد السرية حتى بعد انتهاء الاتفاق.
هذه القواعد لا تقل أهمية عن بنود التدريب والزيارات. فهي تمنح الطرفين القدرة على تبادل مواد دفاعية أو أمنية ضمن ضوابط قانونية، وتحد في الوقت نفسه من مخاطر إعادة تمرير المعلومات أو استخدامها خارج الغرض المتفق عليه. لذلك لا يصح مساواة النص على التعاون في الاستخبارات العسكرية بتبادل استخباراتي عملياتي واسع وغير محدود. الاتفاق يفتح قناة، لكنه يضع عليها أقفالاً قانونية وإجرائية.
أما حدود الالتزام العسكري فتظهر بوضوح في ما لا يقوله النص. ففي المواد الرسمية الموجزة المتاحة لا يظهر بند ينشئ ضمان دفاع متبادل، أو مساعدة عسكرية تلقائية، أو التزاماً بنشر قوات، أو حقوق قواعد، أو بنداً لاستخدام الأراضي، أو ترتيباً لوضع القوات، أو سلطة قيادة عملياتية مشتركة. كذلك تنص المادة العاشرة على تسوية الخلافات المتعلقة بتفسير الاتفاق أو تطبيقه ودياً بين الطرفين، من دون إحالتها إلى طرف ثالث أو إلى أي محكمة محلية أو دولية، مع استمرار تنفيذ الالتزامات غير المتنازع عليها خلال التسوية. وتجيز المادة الحادية عشرة تعديل الاتفاق في أي وقت بموافقة مكتوبة من الطرفين، بما يعني أن أي توسيع جوهري يحتاج إلى قبول متبادل صريح.
هنا يكمن الفارق بين التعاون الدفاعي والتحالف الدفاعي: الأول يبني قنوات ومواعيد وقواعد تبادل، أما الثاني يرتب التزاماً بمساندة عسكرية عند وقوع تهديد أو هجوم.
في الدلالة الأوسع، يمنح الاتفاق الكويت أداة إضافية لتنويع قنواتها الدفاعية وتوسيع شبكتها العملية مع باكستان من دون تغيير معلن في بنية أمن الخليج. فهو يسمح بتراكم تعاون مهني في التدريب والزيارات والخبرات وحماية المعلومات، لكنه لا يضيف بذاته مظلة دفاعية جديدة ولا يؤسس لوجود عسكري باكستاني في الكويت. ستتحدد قيمته الفعلية بمدى انتظام اللجنة العسكرية المشتركة، وبنوعية الخطط السنوية التي ستعتمدها، وبقدرة الطرفين على إدارة المعلومات الحساسة بثقة وانضباط. بهذا المعنى، يفتح النشر الرسمي مرحلة تنفيذية، لكنه لا يبدل طبيعة الاتفاق: تنسيق دفاعي قابل للإدارة، لا تحالفاً ملزماً بالدفاع المشترك.