اتفاق أمني مع إسرائيل: خفض التوتر لا يحسم الجولان
تصريح أحمد الشرع يضع المسار السوري الإسرائيلي في منطقة فاصلة بين ضبط الحدود وترك نزاع السيادة إلى تفاوض سياسي مؤجل.
في مقابلة بثتها الجزيرة في برنامج «المقابلة» مساء السادس والعشرين من يوليو، قال الرئيس السوري أحمد الشرع، وفق الصياغة التي نشرتها القناة، إن دمشق تعمل للوصول إلى اتفاق أمني مع إسرائيل بمشاركة مجموعة من الدول، وإن سوريا تتجنب المواجهة لأنها لا تراها في مصلحتها. الأهم في التصريح أنه ربط نجاح اتفاق كهذا بإمكان فتح الطريق أمام سلام شامل، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن ذلك لا يمس بحق سوريا في الجولان.
بهذه الصيغة، لا يبدو التصريح إعلان سلام ولا تنازلاً سيادياً. هو بالأحرى إدخال علني لفكرة كانت تدور في مسارات دبلوماسية وأمنية محدودة: هل يمكن ضبط الحدود السورية الإسرائيلية، وتقليل احتمالات الضربات والتوغلات وسوء التقدير، من دون الاقتراب الآن من السؤال الأصعب، أي السيادة على هضبة الجولان؟
الفصل بين الأمن والسيادة هو جوهر المسار المحتمل.
وقد تقاطع مضمون ما نشرته الجزيرة العربية مع عرض الجزيرة الإنجليزية للمقابلة، التي قدمتها بوصفها حصرية وذكرت أن دمشق تعمل بنشاط للتوصل إلى اتفاق أمني لا يمس بحق سوريا في الجولان. كما تناولت هآرتس التصريح بالمعنى نفسه، أي اتفاق أمني يمكن أن يمهد للسلام من دون تخلي سوريا عن حقها في السيادة على الهضبة. هذا التقاطع لا يحوّل الفكرة إلى اتفاق منجز، لكنه يضعها في سياق سياسي واضح: ثمة لغة جديدة تتحدث عن إدارة الخطر قبل حل النزاع.
تصريح يفتح مساراً ولا يغلق نزاعاً
الخلط الأساسي الذي ينبغي تجنبه هنا هو مساواة الاتفاق الأمني بمعاهدة سلام. الاتفاق الأمني، في معناه العملي، يعالج سلوك القوات على الأرض: أين تتمركز، ما الذي يمتنع كل طرف عن فعله، كيف يجري الإبلاغ عن الحوادث، ومن يراقب الالتزام. أما معاهدة السلام فتذهب إلى مستوى آخر: الاعتراف، العلاقات السياسية، الحدود النهائية، وربما ترتيبات اقتصادية ودبلوماسية واسعة. بين المستويين مساحة كبيرة تستطيع الدول أن تتحرك داخلها عندما تكون التسوية النهائية بعيدة أو شديدة الكلفة سياسياً.
هذا ما جعل اتفاق فض الاشتباك السوري الإسرائيلي لعام 1974 السابقة الأوضح. فقد ألزم إسرائيل وسوريا باحترام وقف إطلاق النار براً وبحراً وجواً، وفصل القوات على امتداد خطين، وأنشأ منطقة فصل تتمركز فيها قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك، إلى جانب مناطق لتقييد التسليح والقوات وتفتيش أممي للالتزام. والأهم أن الاتفاق نفسه نص صراحة على أن «هذا الاتفاق ليس اتفاق سلام. إنه خطوة نحو سلام عادل ودائم» على أساس قرار مجلس الأمن 338.
هذه العبارة ليست تفصيلاً قانونياً عابراً. إنها توضح كيف يمكن للاتفاقات الأمنية أن تؤدي وظيفة محددة من دون أن تدعي أكثر مما تستطيع. فهي تمنع الاحتكاك المباشر وتضع قواعد للحركة العسكرية، لكنها لا تحسم أصل النزاع ولا تمنح شرعية سياسية نهائية لأي وضع ميداني.
وتظل قضية الجولان في قلب هذا التمييز. فقرار مجلس الأمن 497 الصادر في السابع عشر من ديسمبر 1981 قرر أن فرض إسرائيل قوانينها وولايتها وإدارتها على هضبة الجولان السورية المحتلة «باطل ولاغ ولا أثر قانونياً دولياً له»، وطالب إسرائيل بإلغائه. لذلك يمكن لمسار أمني أن ينظم الواقع العسكري حول خط وقف إطلاق النار، بينما يبقى الخلاف على السيادة قائماً في المجال السياسي والقانوني.
ما الذي يفعله الاتفاق الأمني عملياً؟
إذا تُرجم الحديث الحالي إلى ترتيبات عملية، فالأدوات المفهومة من سوابق المنطقة ومن التقارير المتاحة لا تبدأ من الاعتراف السياسي، بل من منع الحوادث. يمكن أن يشمل ذلك تثبيت وقف إطلاق نار، تحديد مناطق فصل، وضع قيود على انتشار القوات أو السلاح في مناطق معينة، إنشاء قناة اتصال مباشرة أو غير مباشرة، ووضع آلية إخطار عند حصول حادث أمني أو تحرك ميداني حساس. وقد يدخل طرف ثالث في المراقبة أو التفتيش أو نقل الرسائل بين الجانبين.
ليست هذه الأدوات افتراضية بالكامل في التجربة السورية الإسرائيلية. فالبروتوكول الملحق باتفاق 1974 أعطى قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك مهمة بذل أفضل جهودها للحفاظ على وقف إطلاق النار، والإشراف على الاتفاق في مناطق الفصل والتقييد، والتمتع بحرية الحركة والاتصال، وتقديم تقارير تفتيش دورية إلى الطرفين مرة كل خمسة عشر يوماً على الأقل، وعند طلب أي طرف. في النزاعات الحدودية، تتحول التفاصيل الإجرائية كهذه إلى صمام أمان: تقرير دوري، دورية مراقبة، خط اتصال، أو إخطار مبكر قد يمنع حادثاً موضعياً من التحول إلى مواجهة أوسع.
وفي الخامس والعشرين من يونيو 2026، مدد مجلس الأمن ولاية قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك حتى الحادي والثلاثين من ديسمبر 2026، مؤكداً أنها تشرف على فض الاشتباك في منطقة الفصل، وهي منطقة عازلة منزوعة السلاح، وفي منطقة التقييد التي تخضع فيها القوات الإسرائيلية والسورية لقيود في الجولان. كما دعا الطرفين إلى احترام اتفاق 1974، وضبط النفس، ومنع خروق وقف إطلاق النار أو منطقة الفصل، والاستفادة من وظيفة الاتصال التي تقوم بها القوة.
هذا الإطار الأممي لا يعني أن أي اتفاق جديد سيكرر الآليات نفسها تلقائياً. لكنه يبيّن أن هناك بنية قائمة يمكن أن تلهم أي ترتيب محدود: فصل، قيود، مراقبة، اتصال، وتقارير. وهي عناصر لا تحسم من يملك الأرض، لكنها تخفض كلفة سوء التقدير وتحد من إغراء استخدام القوة لتغيير الوقائع.
ردع أقل احتكاكاً لا سلام مكتمل
تقرير رويترز في السادس عشر من سبتمبر 2025 أضاف طبقة مهمة إلى الصورة. فقد ذكرت الوكالة، استناداً إلى تسعة مصادر مطلعة على المناقشات وعلى العمليات الإسرائيلية في جنوب سوريا، أن سوريا كانت تسرّع المحادثات مع إسرائيل من أجل اتفاق أمني تأمل دمشق أن يؤدي إلى التراجع عن عمليات سيطرة إسرائيلية حديثة على أراض، وأن هذا المسار سيبقى أدنى بكثير من معاهدة سلام كاملة. كما أورد التقرير أن المقترح السوري كان يهدف إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من أراض سيطرت عليها حديثاً، وإعادة العمل بمنطقة عازلة منزوعة السلاح اتُّفق عليها في هدنة 1974، ووقف الضربات الجوية والتوغلات البرية الإسرائيلية داخل سوريا.
هذه الصيغة تكشف منطق الاتفاق الأمني: لا يطلب من الطرفين حل كل شيء، بل يطلب منهما وقف ما يجعل كل شيء قابلاً للانفجار. فوقف التوغلات أو الضربات، إذا أُدرج في آلية قابلة للمراقبة، يغير حسابات الردع. الردع عندها لا يقوم فقط على التهديد بالرد، بل على وجود قواعد متفق عليها تجعل الخرق مكلفاً سياسياً ودبلوماسياً وربما أمنياً.
كما ذكرت رويترز أن المحادثات لم تتناول وضع هضبة الجولان، وأن مصدراً سورياً مطلعاً على موقف دمشق قال إن قضية الجولان ستُترك «للمستقبل». هذه الجملة تختصر الفصل بين المسارين: أمن الحدود الآن، والسيادة لاحقاً. وفي تقرير آخر في السادس من يناير 2026، قالت رويترز إن إسرائيل وسوريا اتفقتا خلال محادثات بوساطة أميركية في باريس على إنشاء آلية اتصال للتنسيق الأمني. وقبل ذلك، أشارت الوكالة إلى اتصالات استكشافية بدأت في أبوظبي بعد زيارة الشرع إلى الإمارات في أبريل، ثم لقاءات في باكو في يوليو، واستئناف مفاوضات ثنائية في باريس بعد وقف لإطلاق النار بوساطة أميركية عقب أعمال عنف في السويداء.
المغزى الإقليمي لهذا النوع من المسارات أنه يخفض حرارة الجبهة من دون أن يبدل الخريطة السياسية دفعة واحدة. قد يفتح ذلك مجالاً أوسع للوساطات ولتخفيف المخاطر على حدود شديدة الحساسية، وقد يمنح الأطراف وقتاً لاختبار الالتزام المرحلي قبل الانتقال إلى ملفات أكبر. غير أن خفض التوتر لا يساوي التطبيع الكامل، كما أن قناة الاتصال لا تساوي اعترافاً سياسياً، والتهدئة لا تنهي نزاع السيادة.
لذلك، فإن السؤال ليس ما إذا كان السلام بات قريباً، بل ما إذا كانت دمشق وتل أبيب قادرتين على تحويل الحاجة المتبادلة إلى قواعد أمنية محددة. إذا حدث ذلك، فستكون النتيجة الأقرب هي إدارة أكثر انضباطاً للحدود: احتكاك أقل، مراقبة أوضح، ومساحة أضيق للمفاجآت العسكرية. أما الجولان، وفق كل الصيغ المطروحة، فيبقى خارج هذا الحساب الأمني المباشر، حاضراً بوصفه جوهر النزاع السياسي ومؤجلاً بوصفه عقدة التسوية النهائية.