Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
EXPLAINERS

بين التنظيف الهيكلي وضغوط الأسواق العالمية: لماذا تتكبد «سابك» السعودية هذه الخسائر؟

تُعزى الخسائر القياسية التي تسجلها شركة «سابك» السعودية بشكل أساسي إلى عمليات شطب محاسبي غير نقدية لإغلاق أصول أوروبية ودولية مكلفة والتخلص منها، بالتزامن مع دورة هبوط عالمية في قطاع البتروكيماويات واضطرابات الملاحة الإقليمية.

أعاد إعلان الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك) عن تسجيل خسارة صافية بلغت 833 مليون ريال (222 مليون دولار) في الربع الثاني من عام 2026، طرح أسئلة ملحة بين المستثمرين والمتابعين للشأن الاقتصادي: لماذا تستمر واحدة من أكبر شركات البتروكيماويات في العالم بتكبد هذه الخسائر المتتالية؟

جاءت نتائج الربع الثاني لتعكس تحولاً سريعاً بعد عودة قصيرة إلى الربحية في الربع الأول من العام نفسه، ولتكمل مشهداً مالياً أثار التساؤلات عندما أعلنت الشركة في مارس 2026 عن تسجيل أضخم خسارة سنوية في تاريخها الممتد لخمسة عقود، بواقع 25.78 مليار ريال (6.87 مليارات دولار) عن عام 2025.

غير أن قراءة القوائم المالية لـ «سابك» من دون التمييز بين الخسائر الدفترية المحاسبية والتدفقات النقدية التشغيلية تعطي صورة مضللة عن الوضع المالي للشركة. فالأرقام السلبية التي تصدرت العناوين لا تعكس انهياراً في عمليات الشركة التشغيلية، بل هي نتيجة آلية مزدوجة تجمع بين إعادة هيكلة جذرية وجريئة للتخلص من أصول دولية نزفت مليارات الدولارات، وبين دورة هبوط اقتصادية حادة تضرب صناعة البتروكيماويات في العالم أجمع.

الخلاصة

  • الأسباب الدفترية مقابل النقدية: يعود الجزء الأكبر من الخسائر القياسية المُعلنة إلى مخصصات إعادة تقييم وإعادة هيكلة دفترية غير نقدية للتخلص من مصانع خارجية مكلفة، وليست أزمة سيولة تشغيلية.
  • إيقاف النزيف النقدي: تكبدت الأصول الأوروبية المبيعة خسائر نقدية تراكمية بلغت 3.4 مليارات دولار بين عامي 2022 و2025، وجاء التخلص منها لتجنب نزيف نقدي سنوي يصل إلى مليار دولار مستقبلاً.
  • فائض طاقة إنتاجية عالمي: يواجه القطاع ككل دورة هبوط هي الأشُد منذ سنوات، نتيجة دخول طاقات إنتاجية ضخمة في الصين، مما أدى إلى هبوط معدلات تشغيل المصانع وضغط هوامش الأرباح عالمياً.
  • صدمة سلاسل الإمداد في 2026: تسببت التوترات الجيوسياسية الإقليمية واضطرابات الملاحة في الخليج العربي والبحر الأحمر بارتفاع تكاليف الشحن واللوجستيات، مما أعاد الشركة إلى النطاق السلبي في الربع الثاني من 2026.
  • متانة الأصول المحلية: تحافظ عمليات الشركة داخل السعودية على ربحيتها وتدفقاتها النقدية الموجبة بفضل امتياز اللقيم الغازي منخفض التكلفة المُقدم من «أرامكو السعودية»، مما يدعم توزيعات الأرباح واستقرار التصنيف الإردائي.

الفارق بين الخسارة المحاسبية والتدفق النقدي: كيف تُقرأ أرقام «سابك»؟

لفهم أسباب الخسائر المتتالية، يجب أولاً التمييز بين مفهومين ماليين أساسيين بموجب المعايير الدولية للتقارير المالية (IFRS): «الخسارة الدفترية المحاسبية» و«التدفق النقدي التشغيلي».

عندما قررت إدارة «سابك» الخروج من قطاعات تشغيلية غير مربحة أو خفض قيمتها، أوجبت القواعد المحاسبية إعادة تقييم تلك الأصول بحسب قيمتها العادلة الحالية وتسجيل الفرق كـ «مخصصات انخفاض قيمة» (Impairments) حادة ومباشرة في قائمة الدخل. هذه المخصصات هي أرقام محاسبية دفتُرية لا تعني خروج سيولة نقدية فعلياً من خزينة الشركة عند تسجيلها، بل تعبر عن خفض قيمة أصول قائمة في الدفاتر.

وفقاً لـ التقرير السنوي لشركة سابك لعام 2025، حققت الشركة تدفقات نقدية حرة موجبة بلغت 7.2 مليارات ريال (1.92 مليار دولار)، بزيادة قدرها 17% مقارنة بعام 2024، كما سجلت أرباحاً معدلة قبل الشطب غير المكرر بقيمة 2.07 مليار ريال. وسمحت هذه المتانة النقدية للشركة بتوزيع أرباح نقدية على المساهمين بقيمة 9 مليارات ريال عن عام 2025، وتوزيع 3.3 مليارات ريال عن النصف الأول من عام 2026.

تؤكد هذه الأرقام أن النواة الصلبة لعمليات الشركة ما زالت تولد السيولة، إلا أن قرار تنظيف محفظة الأعمال من الأصول المتهالكة والمكلفة تطلب اعترافاً محاسبياً بشطب قيمتها دفعة واحدة، وهو ما أدى إلى ظهور الخسارة الشاملة الضخمة على السطح.

التخلص من «الأصول المكلفة»: تفاصيل خطة تنظيف محفظة الأعمال

يعود جذر الخسائر الدفترية الكبرى إلى عمليات استحواذ توسعية جرت في عقود سابقة خارج المملكة، وتحديداً في أوروبا وشمال أصل أمريكا، حيث تبين مع تغير معادلة الطاقة العالمية أن هذه المصانع أصبحت تمثل عبئاً مالياً مزخماً.

أوضح صلاح حارقي، النائب التنفيذي لرئيس الشؤون المالية في سابك، في تصريحات نقلتها صحيفة مال المالية، أن الأصول الأوروبية المبيعة تسببت في استنزاف نقدي تراكمي بلغ 3.4 مليارات دولار بين عامي 2022 و2025. وأشار إلى أن الاستمرار في الاحتفاظ بهذه الأصول كان سيكلف الشركة استنزافاً نقدياً سنويّاً يتراوح بين 800 مليون ومليار دولار (أي نحو 4 مليارات دولار خلال أربع إلى خمس سنوات)، في حين إن إغلاقها وتفكيكها بالكامل كان سيتطلب تحمّل تكاليف بيئية وهندسية تقارب 5 مليارات دولار.

بناءً على ذلك، اتخذت الشركة قراراً استراتيجياً ببيع قطاع الكيماويات الأوروبية (EP) لشركة «أيكويتا» (AEQUITA)، وقطاع البلاستيكيات الحرارية الهندسية (ETP) لشركة «موتاريس» (Mutares)، بقيمة إجمالية للمشروع بلغت 950 مليون دولار.

| العملية الاستراتيجية / الأصول | تاريخ الإجراء | الأثر المحاسبي والمالي | الغرض الاستراتيجي | | :— | :— | :— | :— | | بيع قطاعي البتروكيماويات الأوروبية والبلاستيكيات الهندسة (EP & ETP) | يناير 2026 | مخصصات إعادة تقييم وهبوط قيمة بقيمة تتجاوز 19 مليار ريال في نتائج 2025 | إيقاف استنزاف نقدي سنوي بقيمة 800M – 1.0B دولار وتجنب تكاليف تفكيك باهظة | | إغلاق مكسر الإيثيلين (Olefins 6) في تيسيد ببريطانيا | يونيو 2025 | مخصصات انخفاض قيمة وإعادة هيكلة بقيمة 3.78 مليارات ريال ($1.01B) | التخلص من وحدة إنتاجية عالية التكلفة ومنخفضة الكفاءة | | بيع شركة «حديد» لصندوق الاستثمارات العامة | اكتمل في مايو 2024 | إعادة تقييم دفترية بقيمة 2.93 مليار ريال وخسائر تشغيلية بقيمة 1.15 مليار ريال في 2023 | التركيز الكامل على قطاع الكيماويات وإسناد قطاع المعادن لجهة سيادية لتطويره |

المصادر: ___SAFE_LINK_0_ و_SAFE_LINK_1___.

شملت عملية التنظيف الهيكلي أيضاً الإغلاق الدائم لمكسر الإيثيلين السادس في منطقة «تيسيد» بالمملكة المتحدة بطاقة 865 ألف طن سنوياً، بحسب ما أفاد به تقرير أويل أند غاز جورنال، بالإضافة إلى إتمام بيع شركة الحديد والصلب «حديد» بالكامل لصندوق الاستثمارات العامة بقيمة 3.33 مليارات دولار (12.5 مليار ريال) لإنشاء كيان وطني للحديد ضمن رؤية 2030، وهو ما استوجب تسجيل مخصصات هبوط قيمة دفترية سابقة بقيمة 2.93 مليار ريال في عام 2023.

معضلة اللقيم: لماذا تضررت أصول أوروبا بينما صمدت المصانع السعودية؟

تكشف أزمة «سابك» الخارجية عن تباين هيكلي حاد في طبيعة التكاليف بين نموذج الإنتاج المحلي ونظيره الأوربي.

تعتمد مصانع سابك داخل المملكة العربية السعودية على اللقيم الغازي (الإيثان والميثان) المزود من شركة «أرامكو السعودية» بأسعار تعاقدية مستقرة ومنخفضة. تضع هذه الميزة التنافسية المصانع السعودية في أدنى منحنى التكلفة العالمي، مما يضمن لها تحقيق أرباح وافيرة وتدفقات نقدية موجبة حتى في أحلك فترات تراجع الأسعار العالمية.

على الجانب الآخر، تعتمد معظم المصانع الأوروبية والغربية على اللقيم النفطي (النافثا) أو الغاز الطبيعي المستورد بالأسعار السائدة في الأسواق الحرة. ومع ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم في أوروبا عقب الأزمات الجيوسياسية منذ عام 2022، إلى جانب تكاليف الامتثال للأنظمة البيئية الصارمة، أصبحت تكلفة إنتاج الطن الواحد في المصانع الأوروبية أعلى بكثير من سعر بيعه النهائي في السوق العالمية، مما جعل استمرار تشغيلها خاسراً بكل المقاييس التشغيلية.

الدورة الاقتصادية الهابطة: كيف غيرت الصين الخريطة العالمية للبتروكيماويات؟

بعيداً عن المخصصات المحاسبية، واجهت «سابك» — ومجمل قطاع الكيماويات العالمي — ضغوطاً تشغيلية حقيقية ناتجة عن دورة اقتصادية هابطة استثنائية من حيث العُمق والمدى الزمني.

توضّح تحليلات مؤسسة آي سي آي إس (ICIS) المتخصصة في أسواق الكيماويات، أن المشكلة الأساسية تكمن في نمو الطاقة الإنتاجية العالمية بصرامة تفوق نمو الطلب الفعلي، وتحديداً في الصين. بين عامي 2020 و2025، أضافت الصين مجمعات بتروكيماوية عملاقة هدفت من خلالها للوصول إلى الاكتفاء الذاتي وتحويل البلاد من أكبر مستورد للبتروكيماويات إلى مصدر يضخ فائض الإنتاج في الأسواق العالمية.

تسبب هذا الفائض في انخفاض معدلات تشغيل مصانع الإيثيلين والمشتقات عالمياً إلى أوائل مستوى 80%، وانخفاض أسعار البيع النهائية لمستويات اقتربت من التكلفة الحدية، مما أدى لتقليص هوامش أرباح كبرى الشركات العالمية مثل «داو» و«ليونديل بازل» و«إكسون موبيل»، وأجبرها على إغلاق وحدات إنتاجية متعددة في قارة أوروبا.

صدمة الملاحة في 2026: كيف أثرت التوترات الجيوسياسية على نتائج الربع الثاني؟

في الوقت الذي بدأت فيه سابك تتخطى مخصصات الشطب الكبرى لعام 2025، تلقت العمليات التشغيلية صدمة جديدة في الربع الثاني من عام 2026.

بحسب ___SAFE_LINK_0_ والتقرير المنشور في مجلة _SAFE_LINK_1___، تحول صافي نتائج الشركة إلى خسارة قدرها 833 مليون ريال نتيجة تصاعد التوترات الجيوسياسية بين الولايات المتحدة وإيران والتأثير المباشر على حركة الملاحة والتجارة في مضيق هرمز والبحر الأحمر.

أجبرت الملاحق الأمنية والمخاطر البحرية الشركة على تعديل مسارات الشحن وتحويل جزء من الصادرات عبر طرق برية أو مسارات alternative أطول، مما أدى إلى:

  1. مضاعفة تكاليف النقل والخدمات اللوجستية: ارتفاع أسعار التأمين البحري وأجور الشحن بشكل مفاجئ.
  2. انخفاض أحجام المبيعات: تراجع إجمالي المبيعات بنسبة 5% مقارنة بالربع السابق نتيجة تأخر سلاسل الإمداد ومواعيد التسليم.
  3. تراكم المخزون: اضطراب قدرة استيعاب الموانئ وشحن المنتجات إلى الأسواق النهائية في آسيا وأوروبا.

التحول الاستراتيجي ونقل الثقل نحو آسيا: إلى أين تتجه «سابك»؟

أمام هذه التحديات المزدوجة، تنفذ «سابك» خريطة طريق تحولية تحت قيادة رئيسها التنفيذي الدكتور فيصل الفقير، الذي تولى مهامه في الأول من أبريل 2026 خلفاً للرئيس المتقاعد عبد الرحمن الفقية.

تستهدف خطة التحول تحقيق تحسينات سنوية في الأرباح قبل الإهلاك والاستهلاك (EBITDA) بقيمة 3.0 مليارات دولار بحلول عام 2030، حيث نجحت الشركة بالفعل في تحقيق 547 مليون دولار من هذا الهدف خلال النصف الأول من عام 2026 عبر تحسين الكفاءة التشغيلية والدمج اللوجستي.

ويتضمن التحول الاستراتيجي إعادة توجيه الاستثمارات الرأسمالية (التي تتراوح بين 3.5 و 4.0 مليارات دولار لعام 2026) نحو الأسواق عالية النمو وفي مقدمتها آسيا:

  • مجمع سابك فوجيان في الصين: مشروع مشترك بأسهم متقدمة وتكلفة تبادلية تبلغ 6.4 مليارات دولار، ومن المقرر بدء تشغيله التجاري في الربع الرابع من عام 2026 لضمان التواجد داخل السوق الصينية بأصول حديثة عالية الكفاءة.
  • التركيز على الشراكات الآسيوية: تعزيز التعاون مع شركات مثل «رونغشينغ للبتروكيماويات» للاستفادة من نمو الطلب على المنتجات التخصصية والحلول المغذية.

تتمتع سابك بمركز مالي مستقر تدعمه ملكية «أرامكو السعودية» لـ 70% من أسهمها؛ إذ لا يتجاوز صافي دين الشركة 2.73 مليار ريال (730 مليون دولار)، مع احتفاظها بتصنيف إئتماني ممتاز عند درجة (+A) من وكالات التصنيف الدولية.

توضح البيانات المالية والأدلة المتاحة أن سابك تكبدت خسائر دفتُرية حادة كأمر لا مفر منه لتطهير ميزانيتها من أصول خارجية نزفت أموالها لسنوات، بالتزامن مع تذبذب أرباحها التشغيلية تحت ضغط الدورة الهابطة واضطرابات الشحن الجيوسياسية. ومع اكتمال نقل ملكية الأصول المبيعة واستقرار مسارات الملاحة، من المتوقع أن تتطابق القوائم المالية المستقبلية للشركة مع واقع تدفقاتها النقدية القوية القادمة من أصولها المحلية والتطويرية في آسيا.

المصادر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى