Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
EXPLAINERS

لماذا يستعين ترامب بأزمة “سبتة” الإسبانية لخوض انتخابات الكونغرس الأمريكي؟

يستغل البيت الأبيض اقتحام آلاف المهاجرين لجيب سبتة الخاضع للحكم الإسباني بشمال إفريقيا لتحذير الناخبين الأمريكيين من فوز الديمقراطيين؛ ورغم الاستخدام السياسي لهذه المشاهد في حملة انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، فإن الوقائع الميدانية والقانونية تظهر اختلافات جذرية بين أزمة الجيب الأوروبي وواقع الحدود الأمريكية.

في يوم الجمعة، 31 يوليو/تموز 2026، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر شاشة شبكة "فوكس نيوز" متوقفاً عند صور صادمة قادمة من شمال إفريقيا. كانت المشاهد تسجل محاولات عشرات الآلاف من المهاجرين اقتحام الحدود البحرية والبرية لمدينة سبتة، الجيب الخاضع للسيطرة الإسبانية في الأراضي المغربية. وبدلاً من الاكتفاء بالتعليق على أزمة إنسانية أوروبية، اتخذ ترامب من تلك اللقطات سلاحاً في قلب اللعبة السياسية الداخلية، محذراً الأمريكيين بعبارة صريحة: "تذكروا هذه الصورة، هذا ما سنكون عليه خلال ثلاث سنوات إذا فاز الطرف الآخر".

تزامن تصريح ترامب مع حملة إعلامية وسياسية منسقة قادها كبار مسؤولي البيت الأبيض، من بينهم نائب رئيس الأركان ستيفن ميلر ومدير الاتصالات ستيفن تشيونغ ونائب الرئيس جي دي فانس، لوصف المشاهد الأوروبية بأنها معاينة لما سيعيشه الشارع الأمريكي في حال وصول الحزب الديمقراطي إلى السلطة في انتخابات التجديد النصفي لعام 2026.

تطرح هذه الاستراتيجية التعبوية سؤالاً مركزياً: كيف ولماذا تحولت طوارئ إنسانية في جيب ساحلي لا تتجاوز مساحته 18.5 كيلومتر مربع إلى ورقة انتخابية رئيسية في الولايات المتحدة؟ وما مدى صحة المقارنة بين الديناميات الحدودية في الجيب الإسباني والواقع العملي للحدود الأمريكية الممتدة لآلاف الكيلومترات؟

الخلاصة

  • يستغل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مشاهد أزمة الهجرة الدراماتيكية في مدينة سبتة ورقة تعبوية لحشد الناخبين المحافظين قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر 2026.
  • شهدت سبتة بين 29 و31 يوليو 2026 ما بين 49 ألفاً و60 ألف محاولة تدفق للمهاجرين، أدت إلى غرق نحو 34 إلى 41 شخصاً، وتدخل الجيش الإسباني لإعادة أكثر من 25 ألف شخص إلى المغرب.
  • يواجه البيت الأبيض مفارقة داخلية؛ إذ انخفضت حالات العبور غير القانوني على الحدود الجنوبية الأمريكية بنسبة تتجاوز 90%، ما أدى إلى تراجع اهتمام الناخب الأمريكي بملف الهجرة لصالح القضايا الاقتصادية.
  • تنطوي مقارنة ترامب على مغالطة هيكلية؛ إذ تخضع سبتة لقيود استثنائية في اتفاقية "شنغن" تمنع المهاجرين من الانتقال منها إلى إسبانيا القارية أو باقي دول أوروبا.

المفارقة الأمريكية: عندما تتراجع أرقام الحدود يبحث الساسة عن أزمات الخارج

تأتي الحملة الهجومية للبيت الأبيض في وقت يواجه فيه الحزب الجمهوري تحولاً لافتاً في أولويات الشارع الأمريكي. فوفقاً لبيانات هيئة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية (CBP)، تراجعت حالات الاعتراض والمواجهة على الحدود الجنوبية الغربية للولايات المتحدة بنسبة تجاوزت 90% مقارنة بعام 2024، إذ انخفضت من 130,415 حالة في يونيو/حزيران 2024 إلى 12,901 حالة فقط في يونيو/حزيران 2026، وذلك عقب التدابير الصارمة التي فرضتها إدارة ترامب.

غير أن هذا النجاح الإجرائي المعلن خلق تحدياً سياسياً غير متوقع للإدارة الأمريكية؛ فمع هدوء المشهد على الحدود الجنوبية، تراجع ملف الهجرة في سلم أولويات الناخبين. وأظهر استطلاع أجراه معهد "غالوب" في يوليو/تموز 2026 أن 9% فقط من الأمريكيين يعتبرون الهجرة القضية الأكثر أهمية في البلاد، انخفاضاً من 20% في فبراير/شباط من العام نفسه، لحساب المخاوف الاقتصادية والمعيشية.

كما أظهر استطلاع رأي أجرته شبكة "فوكس نيوز" في يوليو/تموز 2026 أن ثقة الناخبين بالديمقراطيين في إدارة ملف الهجرة ارتفعت إلى 50% مقابل 49% للجمهوريين، وهو تحول بمقدار 8 نقاط لصالح الديمقراطيين مقارنة بأبريل/نيسان 2026 عندما كان الجمهوريون يتقدمون بـ 54% مقابل 46%.

أمام هذا التراجع في استطلاعات الرأي وقبل أشهر قليلة من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني 2026، وجد التخطيط السياسي في البيت الأبيض في الصور الصادمة القادمة من سبتة أداة بصرية حية؛ إذ تتيح إعادة تفعيل خف المهاجرين واستثارة القاعدة المحافظة عبر ربط سياسات اليسار الأوروبي ببرامج الحزب الديمقراطي الأمريكي.

ما الذي حدث في سبتة؟ تفكيك أزمة الـ 72 ساعة على الشواطئ الإسبانية

كي نفهم طبيعة الحدث الذي استغله البيت الأبيض، يجب العودة إلى الوقائع الميدانية التي شهدتها مدينة سبتة المتمتعة بالحكم الذاتي، والتي تمثل مع مدينة مليلية النقطتين الوحيدتين اللتين تشتركان في حدود برية مباشرة بين القارة الأفريقية والاتحاد الأوروبي.

بدأت الأزمة في منتصف يوليو/تموز 2026 عندما انتشرت شائعات ومقاطع فيديو كاذبة على منصات التواصل الاجتماعي مثل "تيك توك" و"تيليغرام" في مدينة الفنيدق المغربية المجاورة. ادعت تلك المنشورات أن حرس الحدود الإسباني سيترك المعابر مفتوحة في نهاية الشهر كإجراء يتبع قراراً صدر عن المحكمة العليا الإسبانية يفرض قيوداً قانونية على الإبعاد الفوري والسريع للمهاجرين الواصلين بحراً دون إجراءات قضائية.

وبين 29 و31 يوليو/تموز 2026، احتشد عشرات الآلاف من الشباب والقاصرين من المغرب ودول إفريقيا جنوب الصحراء قرب الحدود. ووفقاً لوزارة الداخلية الإسبانية، تراوحت محاولات العبور بين 49,000 و60,000 محاولة خلال فترة لم تتجاوز 72 ساعة، حيث حاول المهاجرون السباحة حول حاجز "تراخال" (Tarajal) البحري أو تسلق الأجواء السلكية المزدوجة المحيطة بالمدينة والتي يبلغ ارتفاعها ستة أمتار.

أسفرت هذه المحاولات عن كارثة إنسانية؛ إذ أكدت السلطات الإسبانية ومصادر الشرطة التي نقلت عنها صحيفة "إل بايس" (El País) ووكالة الصحافة الفرنسية تسجيل ما بين 34 و41 حالة غرق لمهاجرين حاولوا الالتفاف حول الحواجز البحرية.

وأمام هذا التدفق الهائل الذي يعادل أكثر من نصف عدد سكان سبتة البالغ عددهم نحو 85 ألف نسمة، أعلن رئيس المدينة خوان خيسوس فيفاس حالة "الطوارئ الإنسانية والاجتماعية المطلقة"، ما دفع رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى زيارة الجيب ونشر وحدات من الجيش لمساندة الحرس المدني. وبحلول ظهر الجمعة 31 يوليو، أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية إعادة أو مغادرة أكثر من 25,000 شخص نحو المغرب بمعدل وصل إلى 150 شخصاً في الدقيقة.

بين جيب إفريقي وحدود قارية: الفوارق التشغيلية والقانونية

رغم الشدة البصرية للمشاهد التي استغلها ترامب ومسؤولوه، فإن خبراء السياسات الحدودية والقانون الدولي يؤكدون أن إسقاط تجربة سبتة على الحدود الأمريكية يفتقر إلى الدقة التشغيلية والقانونية، وذلك لعدة أسباب جوهرية:

أولاً: الجغرافيا والمساحة تعد سبتة جيباً ساحلياً صغيراً جداً لا تتجاوز مساحته 18.5 كيلومتر مربع، تحيط به الأراضي المغربية من البر والبحر الأبيض المتوسط من ثلاث جهات، وتفصله عن إسبانيا القارية مياه البحر. في المقابل، تمتد الحدود الجنوبية الغربية للولايات المتحدة مع المكسيك على طول 1,954 ميلاً (نحو 3,145 كيلومتراً) عبر تضاريس صحراوية ونهرية وشاسعة.

ثانياً: النظام القانوني وقواعد حركة المهاجرين على عكس ما يحدث عند اختراق الحدود البرية الأمريكية، حيث يجد المهاجر نفسه مباشرة داخل أراضي الدولة المستضيفة، فإن الدخول إلى سبتة لا يعطي المهاجر حق الانتقال التلقائي إلى شبه الجزيرة الإيبيرية أو الدول الأوروبية. بموجب قواعد خاصة في نظام حدود "شنغن"، تصنف سبتة كمنطقة احتواء جغرافية؛ إذ يخضع المسافرون من سبتة إلى البر الإسباني لمراقبة صارمة في الموانئ والمطارات. وأكد مفوض الشؤون الداخلية والهجرة في الاتحاد الأوروبي مانغوس برونر يوم الجمعة 31 يوليو 2026 أن القواعد الأوروبية تمنع التدفق المباشر للمهاجرين من سبتة إلى بقية الأراضي الأوروبية.

ثالثاً: طبيعة دوافع العبور تأثرت الأزمة في سبتة بعوامل محلية خاصة، بينها الشائعات الرقمية المستندة إلى أحكام قضائية إسبانية، إضافة إلى التوترات الجيوسياسية الإقليمية المرتبطة بالعلاقات بين مدريد والرباط والجزائر، بينما تعتمد حركة الهجرة عبر الحدود الأمريكية على شبكات تهريب معقدة وممرات ممتدة عبر عدة دول في أمريكا اللاتينية.

الصدع الأوروبي: كيف فجرت أزمة سبتة خلافات "شنغن"؟

لم تتوقف أصداء أحداث سبتة عند واشنطن، بل امتدت لتحدث هزات سياسية داخل الاتحاد الأوروبي نفسه. فقد سارعت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إلى تهديد مدريد بطلب تعليق عمل اتفاقية "شنغن" مع إسبانيا مؤقتاً لمنع ما وصفته بـ "انتقال العدوى" إلى الأراضي الإيطالية والأوروبية، وهو ما قوبل برد حاسم من الحكومة الإسبانية التي استدعت السفير الإيطالي في مدريد للاحتجاج.

تزامن هذا الخلاف الإقليمي مع استغلال قادة الأحزاب اليمينية في أوروبا للحدث للهجوم على حكومة ائتلاف اليسار الإسبانية برئاسة بيدرو سانشيز، والتي كانت قد أعلنت في وقت سابق عن خطط لتسوية أوضاع نحو 500 ألف مهاجر غير نظامي.

وقد اتخذ البيت الأبيض من هذه الانقسامات الأوروبية مساحة لاستعراض موقفه؛ حيث نشر الحساب الرسمي لوزارة الأمن الداخلي الأمريكية (DHS) تعليقاً جاء فيه: "لو كان لدى إسبانيا رئيس مثل ترامب، لما كانت هذه المشكلة قائمة أصلاً".

الحدود الفاصلة بين الحقيقة الانتخابية والواقع الميداني

يكشف التحليل المتأني للتطورات المتعاقبة أن الربط بين أحداث سبتة ومستقبل الحدود الأمريكية يمثل خطاباً تعبوياً موظفاً في اللعبة السياسية الداخلية أكثر منه تحليلاً واقعياً للمخاطر الأيوبية أو الأمريكية.

ففي الوقت الذي نجحت فيه السلطات الإسبانية والمغربية بالتعاون الميداني في إعادة آلاف المهاجرين واحتواء موجة التدفق بحلول مساء الجمعة 31 يوليو، تستمر الإدارة الأمريكية في استخدام المادة المصورة لخدمة هدفين داخليين رئيسيين:

  1. إعادة تشكيل أجندة الناخب: نقل مركز النقاش العام من الأوضاع الاقتصادية الداخلية التي تضغط على شعبية الإدارة إلى ملف حماية الحدود الوطنية.
  2. شيطنة النموذج السياسي المنافس: الربط بين السياسات الإسبانية الحاكمة وبرامج الحزب الديمقراطي للقول إن أي تحول سياسي في الانتخابات القادمة سيؤدي إلى انهيار منظومة الرقابة الحدودية.

إن الأدلة المتاحة والبيانات الميدانية لا تثبت وجود أي مخططات أو مؤشرات لوجيستية على إمكانية تكرار سيناريو سبتة داخل الأراضي الأمريكية. ومع استمرار عمليات البحث والإنقاذ في حوض البحر الأبيض المتوسط وتقييم حصيلة الضحايا النهائية، تظل أزمة سبتة حدثاً يتوزع بين الواقع الإنساني والجيوسياسي الشديد الحساسية في شمال إفريقيا، وبين استخداماته كأداة تسويق سياسي في المعارك الانتخابية القادمة على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي.

المصادر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى